وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الزيادة -والله أعلم-: لأنه لما نظر إلى ازدحام الناس عليه وصرفهم عنه، كأنه سره ذلك وأعجبه، فقال -مستغفرا من هذا الخاطر-: لبيك إن العيش عيش الآخرة لا هذا العيش الفاني الزائل، وأن هذا وأمثاله -وإن كان محبوبا إلى النفوس قريبا إلى القلوب، فإنه ظل زائل وسحابة صيف ليس يرجى دوامها، وإنما العيش هو الباقي الدائم الذي هو عيش الآخرة، فكأنه جمع في هذا القول بين فوائد:-
أحدها: توهين ما أعجبته عند نفسه وتقليله ليتتركه [وتصد] (¬1) ويصدق عنه.
والأخرى: إعلامها أن وراء هذا ما هو خير منه وأبقى إليه، ليميل إليه ويرغب PageV03P431 # فيه.
والأخرى: الاعتذار إلى الله -تعالى- من هذا الخاطر الذي خطر له، والإقرار بالذنب والاعتراف بالخطأ فيه.
والعيش: الحياة، عاش الرجل يعيش إذا حي معاشا أو معيشا، كل واحد منهما يصلح أن يكون مصدرا وأن يكون اسما.
والآخرة: صفة لدار القيامة لا أنها من الصفات العالية كالدنيا يريد الدار الدنيا.
وأخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا سعيد، عن القاسم بن معن، عن محمد بن عجلان، عن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: سمع سعد بن أبي وقاص بعض بني أخيه يلبي: ياذا المعارج، فقال سعد: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قوله: "فقال سعد: المعارج": يريد به أن سعدا لما سمع ياذا المعارج فأنكره، أخذ يجري اللفظ على لسانه، كمن يسمع شيئا يستغربه فيعيده ليستبينه، واللفظة مرفوعة على أنها مبتدأ محذوف الخبر تقديره: المعارج نقول، وهذا القول من سعد يعضد ما ذهب إليه الشافعي، من لزوم تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وترك الزيادة عليها. PageV03P432
الفرع الثاني في • أحكام التلبية •
الفرع الثاني
في أحكام التلبية
أخبرنا الشافعي -رضي الله عنه- أخبرنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، [عن] (¬1) عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، [عن خلاد] (¬2) بن السائب الأنصاري، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أتاني جبريل (عليه السلام)، فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم (¬3) بالتلبية والإهلال" يريد أحدهما.
هذا حديث صحيح أخرجه مالك، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
أما مالك (¬4): فأخرجه إسنادا ولفظا.
وأما أبو داود (¬5): فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، وقال فيه: ومن معي، وقدم الإهلال على التلبية.
وأما الترمذي (¬6): فأخرجه عن أحمد بن منيع، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر ولم يذكر: ومن معي.
وأما النسائي (¬7): فأخرجه عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان، عن عبد الله PageV03P433 # ابن أبي بكر. الحديث نحوه.
قوله: "أو من معي" بالشك بخلاف قوله: "ومن معي" بغير شك، فإنه مع عدم الشك يكون قد أمره أن يأمر أصحابه ومن معه، ويدل ذلك على أن أصحابه ليسوا كل من صحبه أي صحبة كانت، لأن الذين معه قد صحبوه بالجملة بكونهم معه، ومع ذلك فقال: أصحابي ومن معي فعطفهم على أصحابه، وذلك على أن اسم الصحابي لا يطلق إلا على من هو معروف بصحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، دون من سمعه ورافقه وكان معه وقتا ما, ولأنه لو قال: "أمرني أن آمر أصحابي" واقتصر على هذا ربما يظن الناس كافة أن الأمر لهؤلاء الذين صحبوه وعرفوا به، دون من كان قد حج معه ممن لم يكن صحبه، فقال: "أو من معي" ليشمل الجميع ويزول هذا الظن. والله أعلم.