الفصل الرابع: في الشوارع
الفصل الرابع
في الشوارع
أخبرنا الشافعي، أخبرنا مالك، عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أم سلمة أن امرأة سألت أم سلمة فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر؟ فقالت أم سلمة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يطهره ما بعده".
هذا الحديث أخرجه مالك (¬1)، وأبو داود (¬2)، والترمذي (¬3).
فأما مالك: فأخرجه بالإسناد واللفظ، إلا أنه قال: إنها سألت -يعني أم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن.
أما أبو داود: فأخرجه عن القعنبي، عن مالك، بالإسناد ولفظه.
وأما الترمذي: فأخرجه عن قتيبة، عن مالك، مثله.
وقد روى عبد الله بن المبارك هذا الحديث عن مالك، عن محمد بن إبراهيم، عن أم ولد ل هود بن عبد الرحمن، عن أم سلمة. وهو وهم، وإنما هو عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن. وهو الصحيح (¬4). PageV01P157
"ذيل القميص والإزار": طرفه الذي يلي الأرض.
و"القذر": بخلاف النظافة، و"شيء قذر" -بكسر الذال-، وكذلك قذرت الشيء وتقذرته فاستقذرته: إذا كرهته.
ومعنى قوله "يطهره ما بعده": إنما هو في ما جر على مكان يابس فيه نجاسة يابسة؛ لا يعلق بالثوب منها شيء، فأما إذا جر على نجاسة رطبة فإنه لا يطهره إلا الغسل، هذا مذهب الشافعي.
قال الشافعي عقيب هذا الحديث -في غير المسند: وهذا في اليابس، فأما في الرطب فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سن فيه أن طهارته بالماء.
وقال أحمد بن حنبل: ليس معناه إذا أصابه نجاسة؛ ثم مر بعدها على الأرض أنها تطهره؛ ولكنه أراد أن يمر بمكان فيقذره؛ ثم بمكان آخر أطيب منه فيصير ذلك بهذا، إلا أنه يصيبه منه شيء.
وقال مالك: معنى ذلك أن الأرض يطهر بعضها بعضا، فأما النجاسة مثل: البول ونحوه يصيب الثوب أو البدن -الجسد- فإن ذلك لا يطهر إلا بالغسل، وهذا إجماع.
وفي إسناد هذا الحديث مقال، لأنه عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن، وهي مجهولة والمجهول لا يقوم به الحجة، وقد تقدم ذكر رواية ابن المبارك؛ عن أم ولد لهود بن عبد الرحمن، فقد اختلف فيه على مالك، وعلى تقدير صحته، يكون المعنى على ما ذكرناه من تأويل العلماء له. PageV01P158
فأما طين الشوارع فقليله معفو عنه؛ لتعذر الاحتراز عنه، وقد حدد القليل بما يظن أن لابس الثوب قد سقط في الطين.
وقد روى الشافعي -رضي الله عنه- عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء قال: إن الريح لتسفي علينا الروث والخراء اليابس؛ فيصيب وجوهنا وثيابنا فننفضه -أو قال فنمسحه- ثم لا نتوضأ ولا نغسله.
*** PageV01P159