الباب الثامن
في الاعتكاف وليلة القدر
أخبرنا الشافعي -رضي الله عنه-: [عن سفيان] (¬1) عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر: "أن عمر نذر أن يعتكف في الجاهلية، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمره أن يعتكف في الإسلام".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
أما البخاري (¬2): فأخرجه عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام، فقال: أراه ليلة، قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أوف بنذرك".
وأما مسلم (¬3): فأخرجه عن محمد بن أبي بكر وابن المثنى وزهير، عن يحيى القطان وعن الأشج، عن أبي أسامة.
وعن محمد بن عمرو بن جبلة، عن غندر، عن شعبة كلهم عن عبيد الله، عن نافع.
وأما أبو داود (4): فأخرجه عن أحمد بن حنبل، عن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر.
وأما النسائي (¬5): فأخرجه عن إسحاق بن موسى، عن سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر. PageV03P252
وأما الترمذي (¬1): فأخرجه عن إسحاق بن منصور، عن يحيى القطان، عن عبيد الله، عن نافع.
وهذا الحديث: منهم من قال فيه عن ابن عمر، عن عمر.
ومنهم من قال فيه: عن ابن عمر أن عمر.
النذر: مصدر نذرت أنذر نذرا، تقول: نذرت لله نذرا، ونذرت على نفسي لله نذرا.
والاعتكاف: الاحتباس على الشيء برا كان أو إثما وملازمته إياه.
وهو في الشرع: عبارة عن المقام في المسجد على صفات مشروطه في الشرع، تقول: عكفه أي حبسه ووقفه يعكفه عكفا واعتكف هو اعتكافا، وكذلك عكف على الشيء عكوفا إذا واظب عليه فهو عاكف.
والجاهلية: عبارة عن أيام العرب وزمانهم قبل الإسلام، وما كانوا عليه من الجهل والضلال.
وحقيقة اللفظة: أنها منسوبة إلى جاهل بزيادة الهاء الدالة على تأنيث الجماعة أو تأنيث المدة، والأزمنة التي كانت لهم قبل الإسلام، ثم غلبت هذه الصفة المنسوبة حتى صارت كأنها اسم مرتجل لذات مخصوصة.
والوفاء: ضد الغدر، يقال وفي بعهده وأوفى لغتان.
والمسجد الحرام: مسجد مكة وحرمه المحيط بالبيت.
وفي هذا الحديث من الفقه:
أن النذر في الجاهلية قديما معروفا، وفيه أن الوفاء بالنذر متعين، وأن النذر من الكافر وأنه إذا أسلم يلزمه الوفاء به، وفيه جواز المبيت في المسجد وفيه أن الاعتكاف بالليل يصح.
لم يرد في المسند في الاعتكاف إلا هذا الحديث، وقد روى فيه الشافعي. PageV03P253
-رحمه الله تعالى- أحاديث كثيرة فمنها:-
ما أخرجه المزني (¬1) عنه، عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين -وهي الليلة التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه- قال: "من كان اعتكف -يعني فليعتكف العشر الأواخر" وقال: "أرأيت هذه الليلة ثم أنسيتها"، وقال: "رأيتني أسجد في صبيحتها في طين وماء، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر" قال أبو سعيد: فأمطرت السماء في تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد، قال أبو سعيد: فأبصرت عيناي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين".