"والذنوب": قد ذكر، "والسجل": الدلو العظيمة إذا كان فيها ماء قل أو كثر، ولا يقال لها -وهي فارغة -: سجل، كما لا يقال للدلو -وهي فارغة-: ذنوب، والسجل مذكر، جمعه سجال.
و"اليسر": ضد العسر، كالسعة والضيق، والرفق والعنف، المراد علموهم ما يلزمهم من أمور دينهم، وسهلوا عليهم، واسلكوا طريق الرفق في التعليم: ولا تشددوا عليهم، وتلقوهم بما يكرهون، فينفروا من قبول الدين، واتباع الهدى.
"وميسرين ومعسرين": منصوبان على الحال من الضمير في "بعثتم"، والواو في قوله "ويسروا ولا تعسروا" واو الحال أي: علموا وحالتكم في التعليم اليسر لا العسر، ويشهد بصحة ذلك الرواية الأخرى "فإنما بعثتم ميسرين لا معسرين".
وإضافة السجل إلى الماء في قوله؛ "سجل ماء" إضافة بمعنى "من" بدليل ظهورها في الرواية الأخرى، في قوله: "سجلا من ماء".
وإنما جازت هذه الإضافة -وإن كان السجل ليس من ماء- لأن السجل والذنوب لا يسميان بهذا الاسم إلا إذا كان فيهما ماء، فإذا لم يكن فيهما ماء فليس بسجل ولا ذنوب، فلما تخصصت التسمية بوجود الماء فيهما ولزومه لهما، صارا كأنهما من الماء وبعض الماء.
"فعجل الناس": يعني أطلقوا ألسنتهم في ذمه وشتمه، وأيديهم في ضربه، كأنهم قد أخذوا من قولك: تناولت الشيء، إذا أخذته بيدك، ووقعت بفلان: إذا ذممته وشتمته، وما في هذا الحديث من الفقه قد تقدم في حديث أنس قبل هذا. PageV01P142
الفرع الثاني: في بول الطفل
الفرع الثاني
في بول الطفل
هذا الحكم لم يرد فيه في المسند شيء.
وقد أخرج الشافعي في غير المسند قال: أخبرنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصبي فبال على ثوبه، فدعا بماء فأتبعه إياه" (¬1).
وروى الشافعي في حكاية بعض الأصحاب عنه، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، وعن أم قيس بنت محصن قالت: "دخلت بابن لي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأكل الطعام فبال عليه، فدعا بماء فرشه عليه" (¬2).
قال الشافعي: وفيه دلالة على الفرق بين من أكل الطعام وبين من لم يأكله.
وقال الشافعي في رواية حرملة: وإتباعه إياه الماء يكون صبا عليه، ويكون غسلا له بأن يصب عليه ويغسل، وقد يغسله مرة ويرشه أخرى، وفي الرش مرة دليل على أن الغسل اختيار.
وقال في معنى الرش: فيجد صاحبه البلل فتطيب نفسه لأنه لا يدري لعل البلل من الماء.
وقد حكى المزني -في المختصر الصغير- أنه قال: ولا يبين لي فرق بينه وبين بول الصبية، ولو غسل كان أحب إلي. PageV01P143
فذهب وهم بعض الأصحاب: إلى أنه أراد به تعليق القول في جواز الرش على بول الصبية.
وليس كما ذهب إليه، وإنما أراد تعليق القول في وجوب غسل بول الصبية، وذلك بين في حكايته في الكبير قال:
ولا يبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثانية، ولو غسل بول الجارية، أكلت الطعام أو لم تأكل، كان أحب إلى احتياطا، وإن رش ما لم يأكل الطعام أجزأ -إن شاء الله.
وإنما قال ذلك لأن الحديث الثابت في ذلك، حديث عائشة وأم قيس بنت محصن، وليس في حديثهما ذكر الصبية، فأشبه أن يكون بولها قياسا على بول الصبي.
ولم يثبت عند الشافعي، حديث من روى في حديث ذكر الصبية، حتى يفرق به بين بول الصبي والصبية.