الباب الثالث
في إزالة النجاسة
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول
في البول
وفيه فرعان:
الفرع الأول: في البول علي الأرض
أخبرنا الشافعي، أخبرنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت أنس ابن مالك يقول: "بال أعرابي في المسجد، فعجل الناس إليه، فنهاهم عنه، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "صبوا عليه دلوا من ماء".
هذا حديث صحيح، متفق عليه.
أخرجه البخاري (¬1)، ومسلم (¬2)، والنسائي (¬3).
فأما البخاري: فأخرجه عن عبدان، عن عبد الله، عن يحيى بن سعيد، وعن خالد [بن] (¬4) مخلد، عن سليمان، عن يحيى بن سعيد نحوه.
وأما مسلم: فأخرجه عن قتيبة بن سعيد، عن حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس: "أن أعرابيا بال في المسجد، فقام إليه بعض القوم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعوه لا تزرموه"، قال: فلما فرغ، دعا بدلو من ماء فصبه عليه".
وفي أخرى: عن زهير بن حرب، عن عمر بن يونس الحنفي، عن عكرمة بن PageV01P137 # عمار، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مه مه! قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاتزرموه، دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه فقال: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، وإنما هو لذكر الله والصلاة، وقراءة القرآن، -أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -- قال: وأمر رجلا من القوم فجاء بذنوب من ماء فشنه عليه".
وأما النسائي: فأخرجه عن قتيبة، عن حماد [عن] (¬1) ثابت، عن أنس، مثل رواية مسلم الأولى.
وفي أخرى: عن قتيبة، عن عبيدة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس.
"الأعرابي": منسوب إلى الأعراب، وهم سكان البادية الذين لا يحضرون الأمصار ولا يسكنونها، سواء كانوا من العرب أو من غيرهم.
"والعرب": كل من كان أصله عربيا، وإن لم يكن في بلاد العرب، كالذين [نزلوا] (¬2) بلاد فارس، وغيرهم من الأمم لما فتحوها وأولدوا فيها, ولسانهم اليوم عجمي، أو تركي، أو أرمني أو غير ذلك، ولا يتكلمون بالعربية ولا يحسنونها، فهم عرب لأنهم ينتسبون إلى العرب.
وإنما نسب إلى الأعراب وهو جمع، لأنه جمع لا واحد له من لفظه، فنزل منزلة الواحد.
"والذنوب": -بفتح الذال المعجمة- الدلو العظيمة إذا كانت ملأى ماء، PageV01P138 # وقيل: إذا كانت قريبا من الامتلاء، ولا يقال لها -وهي فارغة-: ذنوب، ويذكر ويؤنث.
"وإلإزرام" -بتقديم الزاي على الراء- القطع، أي: لا تقطعوا عليه بوله، تقول (¬1): زرم البول والدمع وغيرهما: إذا انقطع، وأزرمه غيره.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - "دعوه" إنما قال ذلك لوجهين أحدهما: أن الأعرابي قد كان أراق بعض الماء والكل في النجاسة كالبعض من حيث إنه نجس.
والثاني: أنه لو قطع بوله لتنجست ثيابه ولأعقبه داء في بدنه قاله الأطباء، فترجح جانب تركه حتى يتم بوله على جانب قطعه لما قلنا, ولأنه أيضا كان ينجس موضعين، وإذا ترك فالذي ينجس موضع واحد.
ترجيح الفتوى بالدلالة أصل من أصول الفقه، ولا ينفذ فيها عند تعارض الوجوه إلا الماهر.
وإنما سكت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأعرابي ولم يلمه، لجهله بحق المسجد، ومن أصول الشريعة أن الجاهل بالحرام إذا واقعه سلم من العقوبة والإثم، وقوله في الجهالة مقبول إلا أن يظهر من حاله وشاهد الأمن والوقت ما يدل على كذبه، فيقضى عليه بحكم العالم.