الباب الخامس
في زكاة التجارة
أخبرنا الشافعي -رضي الله عنه-: أخبرنا الثقة، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "ليس في العرض زكاة إلا أن يراد به التجارة".
العرض -ساكن الراء-: المتاع من الثياب وغيرها.
العرض -بفتح الراء-: عرض الدنيا ما كان من مال قل أو كثر.
فأما زكاة ما يعد من الأموال للتجارة، فالذي ذهب إليه الشافعي: أن الزكاة تجب فيها. وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وعائشة، وابن عباس، وإليه ذهب الفقهاء السبعة: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، والقاسم بن محمد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد.
وقال داود: لا زكاة فيها. وحكى مثل ذلك عن ابن عباس، والذي حكاه ابن المنذر عن ابن عباس خلاف ذلك.
والحول فيها معتبر، والنصاب في أول الحول وآخره دون الوسط على قول، وفي جميع الحول على قول، وفي آخر الحول فقط على قول.
وقدر المخرج منه: هو ربع العشر مثل زكاة النقدين.
وأخبرنا الشافعي -رضي الله عنه-: أخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن أبي عمرو بن حماس أن أباه قال: "مررت بعمر ابن الخطاب وعلى عاتقي آدمة أحملها، فقال عمر: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي غير هذه التي على ظهري وأهبة في PageV03P074 # القرظ، فقال: ذاك مال فضع، فوضعتها بين يديه، فحسبها فوجدت قد وجب فيها الزكاة، فأخذ منها الزكاة.
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه مثله.
الآدمة -بالمد وكسر الدال-: جمع الأديم، يقال أديم، وأدمة مثل: رغيف وأرغفة.
فأما الأدمة -بفتح الهمزة والدال والميم-: وهي باطن الجلد الذي يلي اللحم والبشرة ظاهره.
والإهاب -بكسر الهمزة-: الجلد قبل أن يدبغ والجمع: أهب بوزن حمل على غير قياس، فأما أهبة: فيحتمل أنه أدخل الهاء لتأنيث اللفظة.
فأما القرظ: فهو ورق السلم يدبغ به، وأديم مقروظ.
وقوله: "ذلك مال" يريد أن الذي هو في القرظ أيضا مال، وإن لم يكن قد تكامل دباغه فإنه. [بعرضية أنواع] (¬1) والصلاح والانتفاع.
وقوله: "فحسبها فوجدت قد وجبت فيها الزكاة" يريد: أنه ثمنها وقومها ذهبا أو ورقا وجمع قيمتها، فبلغت نصابا تجب في مثله الزكاة.
وهذا الحديث: يستدل به على أن الأموال المرصدة للتجارة تجب فيها الزكاة.
قال الشافعي في القديم: اختلف أصحابنا في العرض للتجارة، فقال منهم قائل: لا زكاة فيه، وروى فيه عن ابن عباس وذكر حجته فيه.
قال الشافعي: وقال بعض أصحابنا: إذا أريد بالعرض التجارة ففيه الزكاة، وكان هذا أحب الأقاويل إلي، لأن عبد الله بن عمر ذكر عن نافع، عن ابن PageV03P075 # عمر أنه قال: ليس في العرض زكاة إلا أن يكون للتجارة. قال: وإسناد الحديث عن ابن عباس ضعيف، فكان اتباع حديث ابن عمر لصحته، والاحتياط في الزكاة أحب إلي -والله أعلم.
أخبرنا الشافعي -رضي الله عنه-: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن رزيق بن حكيم (¬1)، أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: أن انظر من مر بك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم من التجارات من كل أربعين دينار دينارا، فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرين دينارا؛ فإن نقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئا.