الباب الثالث
في زكاة الثمار والزروع
أخبرنا الشافعي -رضي الله عنه-: عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه أنه قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة قال: سمعت عمرو بن يحيى المازني يحدث عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
هذا طرف من حديث صحيح قد أخرجه بطوله الجماعة، وقد ذكرنا طرقه في الباب الثاني، وهو يتضمن ذكر الذود، والوسق والأواقي، ولما ذكر الشافعي هناك الذود ذكر هنا الأوسق، لأنه باب زكاة الثمار.
ومذهب الشافعي: أن زكاة الثمار والزروع وما تخرجه الأرض، في خمسة أوسق من كل مقتات أنبتته الأرض مملوكة كانت أو مستأجرة، خراجية أو غير خراجية ولا زكاة -على الجديد- في الزيتون واللوز، والجوز، والورس، والزعفران، والعصفر، كما لا زكاة في الفواكه والخضروات.
وتفصيل مذهبه في الفواكه: لا تجب الزكاة إلا في النخيل والكروم وبه قال مالك. PageV03P056
وقال أبو حنيفة: تجب في كل ما يقصد بزراعته بالأرض، فيجب في كل ما تنبته الأرض إلا الحطب والقصب (¬1) والحشيش.
وقال أحمد: تجب في جميع الثمار التي تكال وتدخر، سواء استنبته الآدمي أو نبت بنفسه، وأوجبها في اللوز وأسقطها عن الجوز.
قال الشافعي: ما جمع أن يزرعه الآدميون ويدخر ويقتات مأكولا، خبزا وسويقا وطبيخا؛ ففيه الصدقة.
وقال: لا يؤخذ في شيء من الشجر غير النخيل والعنب، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ الصدقة منهما وكانا قوتا، وقد صح (¬2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بعث أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن أن لا يأخذ هذه الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر.
قال الشافعي في كتاب "اختلافه مع مالك" (¬3) بعد حديث أبي سعيد هذا: فأخذنا نحن وأنتم بهذا وخالفنا فيه بعض الناس، فقال: قال الله -تبارك وتعالى- لنبيه عليه السلام-: {خذ من أموالهم صدقة} (¬4) [و] (¬5) قال النبي [- صلى الله عليه وسلم -]، (¬6): "فيما سقت السماء العشر". لم يخصص الله مالا دون مال، ولم يخصص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث مالا دون مال، فأخذت بهذا الحديث الذي يوافق كتاب الله والقياس عليه، وقلت: لا يكون مال فيه صدقة PageV03P057 # ومال لا صدقة فيه، فكل ما أخرجته الأرض من شيء وإن حزمة بقل ففيه العشر.
قال الشافعي: فكانت حجتنا عليه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبين عن الله معنى ما أراد، أبان ما يؤخذ منه من الأموال دون ما لم يرد، وأن الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "فيما سقت السماء العشر" جملة والمفسر يدل على الجملة.
قال: وقد سمعت من يحتج عنه، فيقول كلاما يريد به قد قام بالأمر بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وأخذوا الصدقات في البلدان أخذا عاما وزمانا طويلا، فما روي عنهم ولا عن واحد منهم أنه قال: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ثم قال: وللنبي - صلى الله عليه وسلم - عهود ما هذا في واحد منها وما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أبو سعيد الخدري.