وأما هذا الحديث فلا يحتمل التأويل، حيث قال: كان الرجال والنساء مطلقا غير مقيد، ولفظة "نحن" بعد "نتوضأ" مؤكدة للضمير المستتر فيه، كما سبق في حديث عائشة. PageV01P114
وقول ابن عمر: "كنا نفعل كذا"، من طرق روايات الحديث، وهي آخر مراتب لفظ الراوي وأنزلها، فإن الصحابي إذا قال ذلك فإن ظاهره يقتضي أن الصحابة فعلوه على وجه للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكره, لأن تعريف الحكم به وهو غرض الراوي.
وأما قوله "كانوا يفعلون كذا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - " فهو دليل على جواز الفعل، لأن ذكره في معرض الحجة، يدل على أنه أراد ما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو سكت عنه، دون ما لم يبلغه، وذلك يدل على الجواز.
فأما إذا قال الشافعي هذا القول، فلا حجة فيه، إلا أن يصرح بنقله عن أهل الإجماع فيكون ذلك نقلا للإجماع.
وإنما ذكره الشافعي تبيينا للحديثن اللذين قبله وتثبيتا, ولما فيه من زيادة البيان.
فإن قيل: هلا اكتفى به وذكره أولا؟
قيل: ذانك الحديثان مرفوعان، مصرح بهما عن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا موقوف على ابن عمر، وهو غير مصرح به في لفظ الرواية, والله أعلم. PageV01P115
الفصل السابع
في الماء المسخن والمشمس
هذا الفصل لم يرد في المسند فيه حديث فنذكره، وقد جاء في غير المسند من رواية الأصم، عن الربيع أيضا عن الشافعي، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، "أن عمر كان يسخن له الماء فيغتسل به ويتوضأ" (¬1).
وبهذه الرواية عن الشافعي: أنه قال: لا أكره الماء المشمس إلا أن يكون من جهة الطب. ثم قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: أخبرني صدقة بن عبد الله، عن أبي الزبير، عن جابر، أن عمر كان يكره الاغتسال بالماء المشمس؛ وقال: إنه يورث البرص (¬2).
قال الإمام أحمد البيهقي: وأما ما روي عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله في ذلك "يا حميراء لا تفعلي فإنه يورث البرص" ولا يثبت البتة، وهو حديث ضعيف لا يعول عليه (¬3).
وتفصيل المذهب في ذلك: أن الوضوء بالماء المسخن جائز، فإنه قال: والمسخن وغيره سواء، وحكي عن مجاهد أنه كره المسخن.
وحكي عن أحمد بن حنبل: أنه كره المسخن بالنجاسة. PageV01P116
وأما المشمس فما لم يقصد إلى تشميسه كالغدران والسواقي فلا يكره.
وأما ما قصد إلى تشميسه في الأواني، وخصوصا المنطبعة كالصفر ونحوه فإنه يكره.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يكره. والله أعلم. PageV01P117