الفرع السابع
في الخطبة وما يتعلق بها
أخبرنا الشافعي -رضي الله عنه-: أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعتنقها فسكتت".
هذا حديث صحيح أخرجه البخاري والنسائي.
فأما البخاري (¬1): فأخرجه عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد قال: أخبرني ابن أنس أنه سمع جابر عبد الله قال "كان جذع يقوم إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار، حتى نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده عليه".
وقال سليمان، عن يحيى، أخبرني حفص بن عبد الله بن أنس سمع جابرا.
وأما النسائي (¬2): فأخرجه عن عمرو بن سواد بن الأسود، عن ابن وهب، عن ابن جريح إسنادا ولفظا.
تقول: سندت إلى الشيء أسند سنودا وأسندت واستسندت إذا ألصقت ظهرك والتجأت إليه واعتمدت عليه.
"والجذع": ساق النخلة وجمعه جذوع.
"والاضطراب": التحرك والانزعاج وهو افتعال من الضرب، الأصل فيه: اضتراب ثم قلبت التاء طاء لأجل الضاد. PageV02P191
"وحنين الناقة": هو صوتها في نزاعها إلى ولدها.
"والعشار": جمع عشر وهي الناقة الحامل إذا أتى عليها عشرة أشهر من أول حملها، ثم لا يزال ذلك اسمها إلى أن تلد وبعد ما تلد.
وغرض الشافعي من هذا الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب على المنبر وأنه كان يخطب قبل ذلك مستندا إلى جذع وأنه كان في الحالتين قائما.
وفي الحديث معجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: وهي تحرك الجذع وحنينه وسكونه لما اعتنقه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد جاء في طرق أخرى لهذا الحديث صحيحة: "أنه كان يحن إلى ما كان يسمع من الذكر عنده" (¬1).
وقوله: "اضطربت كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد حتى نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعتنقها" فجاء بحتى مرتين بغير واو عطف وكان التقدير: حتى سمعها أهل المسجد وحتى نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ووجه [بيان] (¬2) حتى: يجوز أن تكون في الموضعين بمعنى إلى ويجوز: أن تكون الأولى عاطفة بمعنى الواو، والثانية بمعنى "إلى أن".
فإن كانت الأولى عاطفة فلا كلام فيه والتقدير: اضطربت وسمعها أهل المسجد إلى أن نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتكون الثانية متعلقة باضطربت أي: اضطربت إلى أن نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعتنقها.
فأما إن كانت الأولى بمعنى "إلى أن" ففيه إشكال ويحتاج إلى أحد أمرين:
1 - إما أن يقدر لها فعل تعلقت به دل عليه ما في قوله "كحنين" من معنى الفعل الذي هو حنت، وتبقى الثانية متعلقة باضطربت فإن التقدير: اضطربت حانة حنينا كحنين الناقة.
2 - وإما أن تجعل الثانية بدلا من الأولى وتكون الثنتان متعلقتين بقوله: PageV02P192
اضطربت، أو تكون الأولى متعلقة باضطربت والثانية متعلقة بسمعها.
وفيه وجه آخر لطيف: وذلك أنه أراد عطف الثانية على الأولى فحذف العاطف؛ ليكون أدعى له إلى إصغاء الأسماع إليه وأبعث للقلوب على تفهم خطابه؛ فإن اللفظ إذا جاء فيه نوع غرابة غير مألوفة ولا معتادة أصغى السامع إلى تدبره والفكر فيه، فحذف العاطف وجاء بالمعاني مسرودة واحدا بعد واحد؛ مؤذنا أن كل واحد منها مستقل في الإخبار بنفسه قائم برأسه صالح لأن يفرد بالغرض ويأتي بالمقصود، ومثال ذلك من المحاورات الوارد به في معرض الإعجاب والإكثار، أن يكون لك مع غيرك موعد إلى أمد مخصوص بطلوع الشمس مثلا؛ فينتهى الأمد ولم يف به وتكون أنت على أتم ترفق وأشد توقع لوفائه في انتظاره، فتقول له: انتظرتك حتى طلعت الشمس، حتى علا النهار، حتى اشتد الحر، حتى صار العصر، حتى غابت الشمس، حتى انقضى النهار وما رأيتك.