الباب الرابع من القسم الأول
من كتاب الصلاة في صلاة الجمعة
ويشتمل على عشرة فروع:
الفرع الأول
في فضل يوم الجمعة وصلاة الجمعة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدثنا صفوان بن سليم، عن نافع بن جبير وعطاء بن يسار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "شاهد: يوم الجمعة، ومشهود: يوم عرفة".
وأخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم قال حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد حدثني عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
هذا حديث مشهور قد أخرجه الشافعي من طرق ثلاث مرسلا وقد روي من حديث عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا (¬1)، وقد تكاثرت الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في شاهد ومشهود، وأكثر ما وردت أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة (¬2) ومعنى كون يوم الجمعة شاهدا: أنه يشهد لكل PageV02P138 # عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم وله فضل مخصوص باجتماع الناس في صلاة الجمعة؛ ما لا يجتمعون في غيره من الأيام.
ومعنى كون يوم عرفة مشهودا: ليشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
وقد جاء في فضل هذين اليومين أحاديث كثيرة بغير هذا المعنى، وذهب قوم إلى أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر.
وذهب آخرون: إلى أن الشاهد محمد - صلى الله عليه وسلم -، والمشهود يوم القيامة.
وقال آخرون: الشاهد من يشهد من الحقائق يوم القيامة، والمشهود في ذلك اليوم من عجائبه؛ لأن اليوم الوعود هو يوم القيامة لا شك فيه. ثم قال: وشاهد في كل ذلك اليوم ومشهود فيه، وإنما جاء بهما بلفظ النكرة على طريقة أنيقة من لطائف أوضاع البلاغة: وذلك أنه من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه ومثله قوله تعالى: {علمت نفس ما أحضرت} (¬1) فنكر النفس ومن المعلوم أن كل النفوس تعلم ما أحضرت بدليل قوله تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا} (¬2) لا نفس واحما يوددة.
ومثل الأول قوله تعالى {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} (¬3) وما يريد به هاهنا التقليل لأنه لا مبالغة فيه.
ومثله من الكلام أن يقول لبعض أمراء الأجناد: كم عندك من الفرسان؟. PageV02P139
فيقول: رب فارس عندي، أو: لا يعدم عندي فارسا، وعنده المعايب الكثيرة.
وقصده بذلك التمادي في تكثير فرسانه، ولكنه أراد إظهار براءته من التزيد، وأنه ممن يقلد ما عنده فضلا أن يتزيد، فجاء بلفظ التقليل وفهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين.
"والجمعة": بمعنى المجموع كالضحكة بمعنى المضحوك منه، ويوم الجمعة يوم الوقت الجامع، وفيه لغتان: سكون الميم وضمها، وإنما سميت الجمعة: لأن الخلائق اجتمعت فيها وفرغ الله -عز وجل- من خلقها فيها، وقيل: أول من سماها الجمعة: كعب بن لؤي بن غالب وكان يقال لها: عروبة والعروبة.
وقيل: أول من سماها الأنصار، وذلك أنهم قالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل أسبوع، والنصارى كذلك فهلموا فنجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله ونصلي فيه، فقالوا: يوم السبت لليهود والأحد للنصارى فاجعلوا يوم العروبة لنا، فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فيه، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم.