النوع الثالث في الفاتحة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن محمود بن [الربيع] (¬1)، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا الموطأ.
فأما البخاري (¬2): فأخرجه عن علي بن عبد الله، عن سفيان بالإسناد واللفظ.
وأما مسلم (¬3): فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، وإسحاق بن إبراهيم جميعا عن سفيان بالإسناد واللفظ.
وفي أخرى: عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري بالإسناد قال: "لا صلاة لمن لم يقترئ بأم القرآن".
وفي أخرى: عن الحسن بن علي الحلواني، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح، عن الزهري بالإسناد نحوه.
وفي أخرى: عن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري مثله، وزاد: "فصاعدا".
وأما أبو داود (¬4): فأخرجه عن قتيبة بن سعيد، وابن السرح، عن سفيان بالإسناد واللفظ وزاد: "فصاعدا".
وأما الترمذي (¬5): فأخرجه عن ابن أبي عمر وعلي بن حجر، عن سفيان PageV01P556 # بالإسناد واللفظ.
وأما النسائي (¬1): فأخرجه عن محمد بن منصور، عن سفيان بالإسناد واللفظ.
وفي أخرى: عن سويد بن نصر، عن عبد الله عن معمر، عن الزهري مثله وزاد: "فصاعدا"
هؤلاء كلهم أخرجوا الحديث ولم يذكروا فيه "فيها" إلا الشافعي (¬2).
وفي ذكرها فائدة وإيضاح وبيان، فإن قوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحه الكتاب" وإن كانت قرينة الحال والعلم بها يدلان على أنه يريد القراءة في الصلاة، ولكن لا كدلالة قوله "فيها" فإن ذلك الوهم يزول، ويصير اللفظ مطابقا للمعنى دالا عليه دلالة واضحة لا يحتاج أن تعلم بقرينة حال ولا علم سابق.
وقوله: "لا صلاة" نفي مستغرق كقولك: "لا رجل في الدار" فلا يجوز أن يكون فيها رجل البتة؛ ولا أقل منه ولا أكثر منه. وكذلك "لا صلاة" تدل أنه ليس للصلاة العارية من قراء الفاتحة وجود ولا اعتبار، كأنها لعدم صحتها والاعتداد بها؛ صارت كأنها معدومة بالنفي المستغرق.
والمنفي بعد هذه لا يبنى على الفتح أبدا، وقد اختلف أهل الأصول في مثل هذا النفي إذا وقع في الشرع، على ماذا يحمل؟ بعضهم يلحقه بالمجملات لأن نصه يقتضي نفي الذات، ومعلوم ثبوتها حسا فقد صار المراد مجهولا. PageV01P557
وهذا الذي قالوه خطأ؛ فإن المعلوم من عادة العرب: أنها لا تضع هذا لنفي الذات في كل مكان؛ وإنما تورده مبالغة فيذكر الذات ليحصل لها ما أرادت من المبالغة.
وقال آخرون: بل يحمل على نفي الذات وسائر أحكامها، ويخص الذات بالدليل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكذب.
وقال قوم: لم تقصد العرب إلى نفي الذات، ولكن لنفي أحكامها ومن أحكامها الكمال والإجزاء، فيحمل اللفظ على العموم منها.
وأنكر هذا بعض المحققين؛ لأن العموم لا يصح دعواه فيما يتنافى، ولا شك أن نفي الكمال يشعر بحصول الإجزاء، فإذا قدر الإجزاء منتفيا بحق العموم، قدر ثابتا بحق إشعار نفي الكمال بثبوته، وهذا يتناقض وما يتناقض لا يحمل الكلام عليه.
وصار المحققون إلى التوقف بين نفي الإجزاء ونفي الكمال، وادعوا الاحتمال من هذه الجهة، لا مما قاله الأولون.
فعلى هذه المذاهب يخرج قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" (¬1). PageV01P558