وغير هؤلاء من الأئمة ممن تصدى لشرح غريب الحديث -ممن وقفنا على كتبهم وممن لم نقف له على كتاب- فإنهم وإن كانوا جماعة فإن المشهور منهم هم هؤلاء المذكورون، وأما من عدا هؤلاء من الأئمة والعلماء ممن شرح الحديث؛ فإن فيهم كثرة لا يمكن حصرهم وإثباتهم. إلا أن منهم من شرح أحاديث تتعلق بالأحكام الشرعية عند ذكرهم إياها في معرض الاستدلال ليستنبطوا منها الأحكام المطلوبة؛ ولم يخصوا تلك الأحاديث بكتاب مفرد؛ وهؤلاء هم أئمة الفقه، كثر منهم الله وأرشدهم - وقد فعل. ومنهم من قصد إلى شرح كتب الأحاديث المدونة كما فعله: أبو سليمان الخطابي في شرح صحيح البخاري في كتابه الذي سماه "أعلام السنة" وفي كتابه الذي سماه PageV01P027 # "معالم السنن في شرح سنن أبي دواد السجستاني" وكما فعله الفقيه أبو عبد الله: محمد بن علي المازري في كتابه "المعلم في شرح صحيح مسلم" وكما فعله: أبوعمر: يوسف بن عبد البر في شرح كتاب الموطأ في كتابه الذي سماه "التمهيد". وغير هؤلاء ممن تصدى لشرح كتب الحديث المدونة؛ فإن فيهم كثرة، إلا إنهم دون القسم الأول في الكثرة. ومنهم جماعة أخرى قصدوا إلى تدوين أحاديث تتعلق بالأحكام وغيرها وشرحوها على نحو ما اختاروه من أنواع الشروح مثل الإمام: أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب "السنن الكبير" (¬1) له، وكتاب "السنن والآثار" له.
ومثل الإمام: أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي الفراء في كتاب "شرح السنة" له، وغيرهما من الأئمة؛ إلا أن هؤلاء دون القسم الثاني في الكثرة.
ومن عدا هؤلاء من العلماء فإن أغراضهم ومقاصدهم في تأليفاتهم لا تقف عند حد ولا تنتهي إلى حصر بحسب ما يعرض لهم من الخواطر الداعية إلى التصنيف إلا أني لم أر فيما وقفت عليه أو سمعته أو بلغني أن أحدا تصدى لشرح: "مسند الشافعي" -رحمة الله عليه- الذي يرويه عنه الربيع بن سليمان المرادي، وقد جمعه: أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، وهو كتاب مشهور بين العلماء، مروي ثابت الإسناد متصل الطريق، ولقد عجبت من غفول العلماء وذهول الفقهاء عن اغتنام هذه الفضيلة وانتهاز هذه المنقبة والمسابقة إليها؛ اللهم إلا أن يكون قد شرح ولم يصل إلى ولا بلغني، وإن ما لم أقف عليه ولا سمعت به من تصانيف العلماء وكتب الفضلاء لكثير لا يمكن حصره، هذا مع كون هذا المسند من أعلى المسانيد قدرا وأبعدها ذكرا، وصاحبه أشرف العلماء وأجلهم، واحد الأئمة المجتهدين -بل واحدهم. وحيث لم أقف له على شرح إلا ما قصد إليه الإمام أبو بكر البيهقي في كتاب "السنن والآثار" من تدوين أحاديث الشافعي PageV01P028 # التي تضمنها هذا المسند، والتي جاءت في غيره من كتبه في الفقه وغيرها؛ فإنه- وإن كان قد جمعها وتكلم عليها -فإنه لم يقصد في كتابه قصد الشارحين، وإنما تكلم على بعضها من جهة الإسناد وعلى بعضها من جهة الفقه. ولقد أحسن -رحمه الله- فيما قصد إليه، فإنه أتى بكل حسنة، ونبه على كل فضيلة. فناجتني نفسي أن أنتصب لشرح هذا الكتاب شرحا جامعا كل ما يتعلق به من أنواع الشروح وأقسام المعاني، وتقضت الأيام وهذا العارض في النفس، ويقوى الخاطر المبارك ويشتد والهمة تنازع إليه، والرغبة تنافس عليه، وأنا أعلل النفس بما يشغلها عن مقصدها وهي لا ترعوي إلى مقالة ناصح ولا يردعها عن رأي صالح في اغتنام متجر رابح، فاستخرت الله -عز وجل- وشرعت في العمل بهذا الرأي الذي أرجو من الله سبحانه الجزاء عليه، وإتمام النعمة علي بالنظر في الدار الآخرة إليه، إنه ولي الإجابة. وقد سميته كتاب "الشافي في شرح مسند الشافعي" وأنا أسأل كل من وقف عليه من أولى الفهم والدراية وأرباب النقل والرواية, ورأي فيه خللا أو لمح منه زللا أن يصلحه فإني مقر