فالطاهر هو الذي ليس بنجس ويدخل فيه المستعمل في رفع الحدث؛ وهذا الماء لا يرفع به الحدث ولاتزال به النجاسة ولكن يجوز شربه والطبخ به وحمله في الصلاة ولا يغسل به الثوب ولا البدن لأنه طاهر (¬2)، وأما الطهور فهو الذي PageV01P062 # يصح به رفع الحدث وإزالة النجاسة، وفعول -بفتح الفاء- إذا كان اسم فاعل فهو من أبنية المبالغة نحو: أكول، وشروب، وقتول لمن يكثر منه الأكل والشرب والقتل وذلك أكثر من: آكل وشارب وقاتل، فإن لم يكن اسم فاعل فهو من الأسماء التي تستعمل نحو السحور والفطور لما يتسحر به ويفطر عليه.
قال الله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} (¬1) أي مطهرا، وقد خالف قوم من أهل اللغة فقالوا: الطهور هو الطاهر وبه قال أبو بكر بن داود الأصفهاني، وقوم من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله -واعتلوا بأن العرب لا تفرق بين فاعل وفعول في التعدي واللزوم مثل قاعد وقعود وضارب ضروب تعدي فاعله تعدي فعوله، والطاهر غير متعد وطهور كذلك، والأكثرون على خلاف هذا القول- كما قدمناه.
وأما "الحل" -بكسر الحاء- فهو الحلال ضد الحرام، يقال: حل الشيء يحل حلالا وحلا فهو حل أي طلق.
"والميتة" تأنيث للميت تقول: مات يموت موتا فهو ميت وميت ومائت، وأصل ميت: ميوت، ثم أدغم، ثم إنهم حققوه فقالوا: ميت يستوى فيه المذكر والمؤنث، قال الله تعالى: {لنحيي به بلدة ميتا} (¬2) ولم يقل ميتة، فأما الميتة التي في الحديث فهي اسم لكل حيوان زهقت روحه بغير الذبح الشرعي، وهي مفتوحة الميم، وبعض من لا علم عنده يكسرها وهو خطأ؛ فإن الميتة -بالكسر- هي حالة الميت نحو PageV01P063 # الجلسة والركبة، وفي جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا السائل بقوله: "هو الطهور ماؤه الحل ... " بلاغة معروفة من كلامه وفصاحة خاصة بألفاظه، فإنه لو قال له في الجواب: نعم. لم يحصل للسائل غرضه لكنه - صلى الله عليه وسلم - عدل عن هذا الجواب إلى الجواب الذي أتى بالغرض على أكمل وجه مقرونا بعلة الجواز وهي الطهورية المتناهية في مائه، ثم إنه قدم الطهارة على الماء فقال: "هو الطهور ماؤه" ولم يقل: ماؤه الطهور؛ لأنه في هذا المقام أشد عناية بذكر الوصف الذي اتصف به الماء وجاز الوضوء به وهو الطهورية دون ذكر الماء، فقدم في الذكر الأهم عنده والأحوج إليه. فانظر إلى ما في هذا الجواب السديد من الفائدة التي في قوله: "نعم" هذا إلى ما كان يجوز أن يحمل لفظة "نعم" عليه من أن ذلك إنما أجازه رخصة لهذا السائل ولمن كان في حاله ممن معه القليل من الماء وأنه مع كثرة الماء لا يجوز الوضوء به، وهذا الاحتمال من النبي - صلى الله عليه وسلم - منتف بذكر العلة في جواز الوضوء به وهي (¬1) وأن ذلك وصف لازم له سواء قل الماء مع المسافرين فيه أو كثر، ثم [...] (¬2) - صلى الله عليه وسلم - لما أجاب السائل عن سؤاله أضاف إليه جوابا على شيء ولم يسأله عنه فقال - صلى الله عليه وسلم -: "الحل ميتته" لأنه لما سأله عن ماء البحر فأجابه رأى من المصلحة لهذا السائل أن يعرفه لهم في طعام البحر لعلمه أنهم قد يعرض لهم إذا ركبوا البحر قلة الزاد كما أعوزهم الماء العذب، فلما جمعتهم الحاجة إليهما جمع الجواب عنهما وأبان عن الحكم فيهما, ولأن علم طهارة ماء البحر أمر ظاهر عند الأكثرين وعلم حال ميتة البحر وكونها حلالا مشكل في الأصل؛ فلما رأى السائل جاهلا بأظهر الأمرين، علم أن أخفاهما بالبيان أولاهما, ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أعلمهم بطهارة ماء البحر، وقد علم أن في البحر حيوانا قد يموت فيه، -والميتة نجس- احتاج أن يظهر أن حكم هذا النوع من الميتة حلال بخلاف سائر الميتات وألا يتوسموا أن ماءه ينجس بحلولها فيه، وفي إضافة PageV01P064 # النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الجواب جوابا عما لم يسأل عنه دليل على جواز أمثاله من الزيادات في الأجوبة إذا كنت حال السائل كحال السائل، فإن ذلك تعريف بطرق الرشاد وهداية إلى مناهج الصلاح (¬1) والمعنى الذي دل عليه قوله: "هو الطهور ماؤه" وما أشرنا إليه من الأعراض اللطفة والمقاصد الشريفة موجود في قوله "الحل ميتته" ولفظة "وهو" في قوله: "هو الطهور ماؤه" ضمير راجع إلى البحر وموضعه رفع بالابتداء، "الطهور ماؤه" خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول الذي