وفي هذا الحديث من الفقه، مما لا يتعلق بالقبلة أحكام منها:-
أن المصلي لا يجوز له أن يتكلم بغير القراءة والأذكار المختصة بالصلاة حتى PageV01P485 # لا يرد السلام الذي هو واجب عليه، وسيجيء بيان هذا الحكم مفصلا في موضعه.
ومنها: جواز الإشارة في الصلاة حتى باليد، وذلك في قوله "فأشار بيده".
ومنها وجوب رد السلام، فإنه - صلى الله عليه وسلم - ما أهمله لما فرغ من الصلاة، واعتذر إليه من تأخير الرد عليه، ولو لم يكن أمرا مهما عنده لما اعتذر منه. PageV01P486
الفرع الخامس فيما يحول بين المصلي وقبلته
أخبرنا الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاته من الليل، وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه البخاري (¬1)، ومسلم (¬2)، وأبو داود (¬3) والنسائي (¬4).
فأما البخاري: فأخرجه عن مسدد، عن يحيى [عن] (¬5) هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت" وفي أخرى: عن إسماعيل بن خليل، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: "لقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وإني لبينه وبين القبلة، وأنا مضطجعة على السرير، فيكون لي الحاجة فأكره أن أستقبله، فأنسل انسلالا".
وأما مسلم: فأخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، عن سفيان (¬6)، عن الزهري، بالإسناد واللفظ.
وفي أخرى: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بالإسناد: PageV01P487
"أن (¬1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي صلاته من الليل وهي معترضة بينه وبين القبلة، راقدة على الفراش الذي يرقد عليه، حتى إذا أراد أن يوتر، أيقظها فأوترت".
وأما النسائي: فأخرجه عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد، عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "كنت بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أقوم، فأمر بين يديه انسللت انسلالا".
ولهم في هذا الحديث روايات كثيرة تركناها للاختصار.
وقد روى المزني: عن الشافعي، عن مالك، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: "كنت أنام بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجلاي في قبلته، وإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتها. قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح" (¬2).
وروى المزني عنه أيضا: عن عبد العزيز بن محمد بن عمر وابن علقمة، عن أبي سلمة أنها قالت: "كنت أنام معترضة في القبلة، فيصلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أمامه، حتى إذا أراد أن يوتر قال: تنحي" (¬3).
وروى في كتاب حرملة حديث عروة، عن عائشة ببعض هذا المعنى، ثم استدل به أنه لا بأس بالصلاة خلف النائم الذي لم يحتشم من المصلي ولا يحتشم منه المصلي، وأن النهي عن الصلاة خلف النيام لحشمة النائم. PageV01P488
و"من" في قوله: "من الليل" للتبعيض أي يصلي في بعض الليل، ويجوز أن تكون للابتداء، أي ابتداء صلاته من الليل.
وهي بمعنى "في" فإن حروف الجر ينوب بعضها مناب البعض.
"والمعترض": الذي يحول بين الشيء وبين غيره، كأنه صار بين يديه عرضا.