الفصل الخامس في استقبال القبلة
وفيه ستة فروع:
الفرع الأول: في تحويل القبلة
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذا أتاهم آت فقال: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوه الناس إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة".
وفي رواية أخرى له بهذا الإسناد واللفظ، وفيها: "إذا جاءهم آت" وفيها "وكانت وجوههم إلى الشام".
أخرج الشافعي الرواية الأولى في كتاب "استقبال القبلة" (¬1)، وأخرج الرواية الثانية في كتاب "الرسالة" (¬2) مستدلا على جواز قبول خبر الواحد، وسنذكر كلامه في ذلك، ومذهبه. والحديث في نفسه صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة إلا أبا داود.
فأما مالك (¬3): فأخرجه إسنادا ولفظا.
وأما البخاري (¬4): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف، عن مالك. PageV01P453
وأما مسلم (¬1): فأخرجه عن شيبان بن فروخ، عن عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار.
وعن قتيبة، عن مالك الحديث.
وفي رواية: عن سويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر وعن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، ولم يذكر بقباء.
وأما الترمذي (¬2): فأخرجه عن هناد، عن وكيع، عن سفيان، عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر عقيب حديث البراء بن عازب بطوله يتضمن هذا المعنى وزيادة. وقال في حديث ابن عمر قال: كانوا ركوعا في صلاة الفجر، يعني بدل قوله: "سجودا".
وأما النسائي (¬3): فأخرجه عن قتيبة، عن مالك.
وفي الباب: عن عمرو بن عوف المزني، والبراء بن عازب، وعمارة بن أوس، وأنس بن مالك.
"وقباء": موضع بالمدينة معروف، يصرف ولا يصرف، وقد تقدم فيما مضى ذلك بينا مستقصى.
وقد تلقاها هاهنا بإذ، وذلك على خلاف المستعمل العرفي، بأنها لا تستلقى إلا بالفعل، إلا أنه قد كثر تلقيها بإذ في الاستعمال العرفي، حتى رفض الأصل وصار الفرع فيه أكثر استعمالا.
"واستقبال الشيء": جعله قبل الوجه، والمقابلة المواجهة، والاستقبال ضد PageV01P454 # الاستدبار.
"والاستدارة": استفعالة من الدوران، تقول: درت أدور دورا ودورانا، إذا كنت محاذيا بوجهك لجهة فانتقلت عنها وحاذيت جهة أخرى.
وإنما استعمل في هذا الحديث فعل ما لم يسم فاعله؛ في قوله: "أنزل عليه الليلة قرآن"، وفي قوله: "فقد أمر"، لأنهم كانوا يعلمون أن المنزل والآمر هو الله تعالى، وإنما يبني الفعل لم لما يسم فاعله لأحد خمسة أشياء:-
إما للعلم به كهذا وإما للجهل به، فإن من لا يعرف لا يخبر عنه، ومن لا يعرف اسمه كيف يضاف إليه فعل أو قول.
وإما لتعظيمه: كقولك: "قطع اليوم سارق" فيعلم أن القاطع لا يكون إلا صاحب الأمر كالسلطان والحاكم.
وإما لتحقيره كقولك: "شتم الأمير"، فتعلم أنه ما ترك تسمية الشاتم إلا لحقارته.
(وإما) (¬1) للخوف عليه كقولك: "قتل فلان" فتركت تسمية القائل خوفا عليه لئلا يقتل به.
والذي وردت به الأخبار في أمر القبلة وأول أمرها، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان بمكة قبل الهجرة، كان يستقبل بيت المقدس، وكان يحب التوجه إلى الكعبة؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم الخليل -عليه السلام- فكان - صلى الله عليه وسلم - مدة مقامه بمكة يجعل البيت بينه وبين جهة بيت المقدس ويصلي، فيكون متوجها إليها معها، وكان يستقبل الركن الذي فيه الحجر الأسود، والصفحة التي بين الحجر الأسود والركن اليماني، فكان حينئذ يصلي إلى الغرب وبعض الشمال يسيرا، ودام على ذلك، فلما هاجر إلى المدينة تعذر عليه الجمع بين القبلتين، كما كان PageV01P455 # يجمع بينهما بمكة، لأن من يستقبل بيت المقدس بالمدينة تكون الكعبة على شماله، فأقام بها ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، على ما جاء في الروايات وهو يصلي إلى بيت المقدس خاصة، وهو مع ذلك يحب التوجه إلى الكعبة، فأوحى إليه {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام} (¬1) وذلك في شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة.