الصلاة بإقامة لمن لم يؤذن
أخبرنا الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: أخبرني عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم قال: "سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يؤذن للمغرب فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ما قال، قال: فانتهي النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل وقد قال: "قد قامت الصلاة" فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "انزلوا فصلوا المغرب بإقامة ذلك العبد الأسود".
هذا حديث مرسل (¬1)، حفص بن عاصم هو: ابن عاصم بن عمر بن الخطاب يروي عن أبيه، عن جده.
والمراد [من] (¬2) هذا الحديث: هو الأخذ بأذان الغير وإقامته، وإن لم يقم هو، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سمع أذان إنسان، ثم انتهى إلى رجل يقيم الصلاة فأمرهم بالنزول، والصلاة بإقامته.
وقوله: "ذلك العبد الأسود": كأن الرجل الذي كان يقيم كان أسود.
... PageV01P442
القول مثل ما يقول المؤذن
أخبرنا الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن".
هذا حديث صحيح متفق عليه، أخرجه الجماعة.
فأما مالك (¬1): فأخرجه بإسناده ولفظه.
وأما البخاري (¬2): فأخرجه عن عبد الله بن يوسف.
وأما مسلم (¬3): فأخرجه عن يحيى بن يحيى.
وأما أبو داود (¬4): فأخرجه عن القعنبي.
وأما الترمذي (¬5) والنسائي (¬6): فأخرجاه عن قتيبة.
كل هؤلاء عن مالك بالإسناد واللفظ.
وفي الباب: عن أبي هريرة، وأم حبيبة، وابن عمر، وعائشة، ومعاذ بن أنس.
"النداء": هنا هو الأذان.
وقوله: "فقولوا مثل ما يقول" يريد التلفظ بألفاظ الأذان.
والذي جاء في السنة في غير هذا الحديث. PageV01P443
وإليه ذهب الشافعي: أن يقول مثل ما يقول المؤذن، إلا في "حي على الصلاة"، "حي على الفلاح"، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وذلك لأن هذا دعاء إلى الصلاة وليس ذكرا لله تعالى، والأجر في الدعاء يحصل لمن يسمع بها، فيصح أن يكون عليه السلام أمر من يحكى (¬1) المؤذن؛ أن يجعل الحوقلة أن يحكيه في الأذان؛ أن يحصل لعلة الأجر ولمحض الأجر (¬2).
وقد جاء في العربية ألفاظ مركبة مثل الحيعلة، مركبة من حي على الفلاح، والحوقلة من لا حول ولا قوة إلا بالله، والبسملة من بسم الله الرحمن الرحيم، والسبحلة من سبحان الله، والحمدلة من الحمد لله، والهيللة من لا إله إلا الله، والجعفلة من جعلت فداك، والدمعزة من دام عزك، والطبقلة من طال بقاؤك.
وإنما قال في جواب حي على الصلاة والفلاح: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، لأنه لما دعاه المؤذن إلى الصلاة قال: لاحول لي ولا قوة على إجابتها والمجيء إلى الصلاة إلا بالله تعالى.
وقد اختلف العلماء هل يقول المصلي ذلك؟
فقيل: يقوله أخذا بعموم الخبر.
وقيل: لا يقوله لأن الشغل بالصلاة أولى.
وقيل: يقوله في النافلة دون الفريضة، لأن النافلة أمرها أخف.
وقوله: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن" ولم يقل المنادي، لأنه لما قال النداء -وهو لفظ مشترك بين نداء الصلاة وغيره- عدل إلى لفظ المؤذن عن المنادي، لئلا يتكرر لفظ النداء أولا وآخرا، فيقوى في النفس أحد القسمين على الآخر، فأما حيث قال "المؤذن" فإن ذلك الوهم زال، ويمحض النداء للصلاة خاصة دون غيرها. PageV01P444