والثالث: أن ينكره تاركا فإذا [امتنع] (1) من [العمل به ففيه دليل] على أنه لو عرف صحته لما امتنع لأنه يحرم عليه مخالفته مع العلم بصحته.
الفرع الثالث: في لفظ الراوي وإيراده؛ وهو خمسة أنواع.
النوع الأول: في مراتب الإخبار، وهي خمس؛ المرتبة الأولى:
أن يقول الصحابي: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا، وحدثني بكذا، وأخبرني بكذا وكذلك غير الصحابي من الرواة عمن رووا عنه، فهذا لا يتطرق إليه احتمال وهو الأصل في التبيلغ والإخبار. PageV01P055
المرتبة الثانية: أن يقول الصحابي: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحدثنا أو أخبرنا وكذلك غير الصحابي عن شيخه فهذا ظاهره النقل وليس نصا صريحا إذ يقول الواحد منا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمادا [على] (¬1) ما نقل إليه وإن لم يسمعه منه.
المرتبة الثالثة: أن يقول الراوي: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا أو نهى عن كذا فهذا دون الثاني: يتطرق إليه ثلاثة احتمالات:
أحدهما: في سماعه كما في قوله.
والثاني: في الأمر إذ ربما يرى ما ليس بأمر أمرا.
والثالث: احتمال العموم والخصوص حتى قد ظن قوم أن مطلق هذا يقتضي أمر جميع الأمة.
المرتبة الرابعة: أن يقول الراوي: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، من السنة كذا، السنة جارية بكذا، فهذا، وما أشبهه في حكم واحد، ويتطرق إليه الاحتمالات الثلاثة التي تطرقت إلى المرتبة الثالثة واحتمال رابع وهو الآمر فإنه لايدري أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو غيره؛ فقال قوم: لا حجة فيه لأنه محتمل، وذهب الأكثرون إلى أنه لايحتمل إلا أمر الله ورسوله لأنه يريد به إتيان شرع أو إقامة حجة.
المرتبة الخامسة: أن يقول الراوي: كنا نفعل كذا -وغرضه تعريف أحكام الشرع- فإن ظاهره يقتضي أن جميع الصحابة فعلوا ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجه ظهر له ولم ينكره, لأن تعريف الحكم يقع به، فإن قال: كانوا يفعلون، وأضافه إلى زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو دليل على جواز الفعل كقول أبي سعيد الخدري: "كنا نخرج على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من PageV01P056 # بر في زكاة الفطر"
النوع الثاني: في نقل لفظ الحديث بالمعنى:
وهو حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ودقائق الألفاظ، أما العالم بذلك فقد جوزه الشافعي وأبو حنيفة، ومالك، وجماهير الفقهاء، ومعظم أهل الحديث، وقال قوم: لا يجوز إلا إبدال اللفظ بما يرادفه ويساويه في المعنى. ومدار القول في ذلك على أربعة أقسام:
الأول: أن يكون الحديث محكما لا يحتمل التأويل بوجه، فيجوز نقله بالمعنى لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدا.
والثاني: أن يكون الخبر ظاهر المعنى ويحتمل غير ما ظهر، ولا يجوز النقل بالمعنى إلا للفقيه العالم بطرق الاجتهاد والدين لئلا يكسوه لفظا آخر لا يحتمل ما احتمله اللفظ الأول.
والثالث: أن يكون الخبر مشتركا أو مشكلا، فلا يجوز النقل بالمعنى على جهة التأويل لأنه لا يتوقف على معناه إلا بنوع تأويل، وتأويل الراوي لا يكون حجة على غيره فإنه يكون ضربا من القياس.
والرابع: أن يكون الخبر مجملا فلا يتصور نقله بالمعنى لأنه لا يوقف على معناه، وما لا يوقف على معناه فلا يتصور نقله بمعناه فيكون الامتناع بذاته لا بدليل يمتنع الناقل عنه.