بسم الله الرحمن الرحيم
وصل اللهم على محمد وعلى آله وسلم
الحمد لله الذي أنطق ألسنة العصماء بجوامع الكلم، وأغرق قلوب البلغاء بينابيع الحكم، ورفع أقدار العلماء بعوالي الهمم، إلى مراتب العلا الغوالي القيم، أحمده على تظاهر النعم، وتناصر القسم، حمدا ينفي عن الأغراض أجناس التهم، وعن الأعراض أدناس الكبائر واللمم، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تصون الأسماع عن نقيصة الصمم، والألسن عن فضيحة العي والبكم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله شهادة تشفي عليل الخواطر من سوء الفهم، وعليل الأفكار من السأم، وأصلي عليه، وعلى آله صلاة تهدي قائلها إلى طريق الحق الواضح اللقم (¬1)، وتنير لسالكيه جواد الطلب في غياهب الظلم.
أما بعد: فإن أحسن القول أصدقه، كما أن أصدق الفعل أحسنه، وأمكن الكلام أصحه، كما أن أصح المعنى أمكنه، وإني وإن كنت في هذا المقام طالب شكر، وراغبا في جميل ذكر، فإن الحق لا يدفع والصواب لا يمنع، فرحم الله امرأ عرف نفسه فوقف بها حيث انتهت، عالما أن لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وازنا أقواله وأفعاله بميزان العدل، قائلا في الاعتراف بالحق بالقول الفصل، لا كالغمر (¬2)؛ يحسب نفسه فطنا، والألكن (¬3)؛ يظن عيه لسنا، أو كمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، نعوذ بالله من موقف الخزي والندم، ومقام العجب ومزلة القدم، وإليه نرغب أن يوفقنا للسداد من القول والعمل، ويعصمنا PageV01P025 # من الزيغ والزلل، ويهدينا إلى أوضح السبل بمنه وكرمه، وبعد أن استخرنا الله -تعالى- وسألناه التوفيق والهدى، ومجانبة الرياء واتباع الهدى، فإنا لما تدبرنا ما وقفنا عليه من كتب العلماء وتصانيف الفضلاء من علماء الشريعة المطهرة -على اختلاف أغراضهم وآرائهم، وتباين مقاصدهم وأهوائهم، وتشعب مباغيهم وأنحائهم- وجدناهم بين مطيل ومقصد، ومقل ومكثر، ومقتصر على نوع من العلم الذي قصد إليه، واقف عند فن من الغرض الذي حافظ عليه، ولكل منهم غرض حسنه رأيه لديه، ووقفنا على بعض كتب من تصدي منهم لشرح أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وآثار الصحابة -رضي الله عنهم- وسمعنا بعضا فرأيناها -كما قلنا- مختلفة الأوضاع والمقاصد، غير متفقة المصادر والموارد، ورأينا كلا منهم قد شرح أحاديث وترك غيرها، فأول من دون شرح الأحاديث أبو عبيدة: معمر بن المثنى (¬1)، جمع أحاديث يسيرة شرح ما فيها من غريب ثم قفى أثره أبو عبيد القاسم بن سلام (¬2) فزاد عليه فيما شرحه وجمع أحاديث كثيرة وشرحها وأخذ على أبي عبيدة بعض ما شرحه، وبسط القول في كتابه وبه اقتدى الناس بعده، وعلى كتابه بنوا، وكان أبو عبيد ثقة عالما عارفا بما يرويه وما يقوله ثم جاء من بعده: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة فجمع أحاديث PageV01P026 # كثيرة أخل بها أبو عبيد؛ وشرحها وبسط القول فيها وذكر أشياء كثيرة زعم أنه أخذها على أبي عبيد وأودعها كتابه وبين وجه الصواب فيها عنده (¬1)، ثم جاء أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي البستي، فجمع أحاديث أخر لم يذكرها واحد من هؤلاء الأئمة المذكورين؛ فشرحها وبسط القول فيها وأجاد [رحمه] (¬2) الله -تعالى- فيما قاله، وبين أشياء كثيرة من أقوالهم وأظهر الصواب فيها. ثم جاء بأخرة أبو القاسم: محمود بن عمر الزمخشري فصنف كتاب "الفائق في غريب الحديث" وذكر أشياء كثيرة لم يذكرها السابقون؛ لكنه أعاد أكثر ما ذكروه من الأحاديث فأحسن شرحه ورتب كتابه أحسن ترتيب (¬3).