الجزء الاول
مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله على نعمه بجميع محامده، وأثني عليه بآلائه في بادئ الأمر وعائده، وأشكره على وافر عطائه ورافده، وأعترف بلطفه في مصادر التوفيق وموارده.
وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، شهادة متحل بقلائد الإخلاص وفرائده، مستقل بإحكام قواعد التوحيد ومعاقده.
وأصلي على رسوله جامع نوافر الإيمان وشوارده، ورافع أعلام الإسلام ومطارده «1» ، وشارع نهج الهدى لقاصده، وهادي سبيل الحق وماهده، وعلى آله وأصحابه حماة معالم الدين ومعاهده، ورادة مشرعه السائغ لوارده.
أما بعد، فلا خلاف بين أولي الألباب والعقول، ولا ارتياب عند ذوي المعارف والمحصول، أن علم الحديث والآثار من أشرف العلوم الإسلامية قدرا، وأحسنها ذكرا، وأكملها نفعا وأعظمها أجرا.
وأنه أحد أقطاب الأسلام التي يدور عليها، ومعاقده التي أضيف إليها، وأنه فرض من فروض الكفايات يجب التزامه، وحق من حقوق الدين يتعين إحكامه واعتزامه.
وهو على هذه الحال- من الاهتمام البين والالتزام المتعين- ينقسم قسمين: أحدهما معرفة ألفاظه، والثانى معرفة معانيه. ولا شك أن معرفة ألفاظه مقدمة في الرتبة؛ لأنها الأصل في الخطاب وبها يحصل التفاهم، فإذا عرفت ترتبت المعاني عليها، فكان الإهتمام ببيانها أولى.
ثم الألفاظ تنقسم إلى مفردة ومركبة، ومعرفة المفردة مقدمة على معرفة المركبة؛ لأن التركيب فرع عن الإفراد. PageV01P003
والألفاظ المفردة تنقسم قسمين: أحدهما خاص والآخر عام.
أما العام فهو ما يشترك في معرفته جمهور أهل اللسان العربي مما يدور بينهم في الخطاب، فهم في معرفته شرع سواء أو قريب من السواء، تناقلوه فيما بينهم وتداولوه، وتلقفوه من حال الصغر لضرورة التفاهم وتعلموه.
وأما الخاص فهو ما ورد فيه من الألفاظ اللغوية، والكلمات الغريبة الحوشية، التي لا يعرفها إلا من عني بها، وحافظ عليها واستخرجها من مظانها- وقليل ما هم- فكان الاهتمام بمعرفة هذا النوع الخاص من الألفاظ أهم مما سواه، وأولى بالبيان مما عداه، ومقدما في الرتبة على غيره، ومبدوا في التعريف بذكره؛ إذ الحاجة إليه ضرورية في البيان، لازمة في الإيضاح والعرفان.
ثم معرفته تنقسم إلى معرفة ذاته وصفاته: أما ذاته فهي معرفة وزن الكلمة وبنائها، وتأليف حروفها وضبطها؛ لئلا يتبدل حرف بحرف أو بناء ببناء. وأما صفاته فهي معرفة حركاته وإعرابه، لئلا يختل فاعل بمفعول، أو خبر بأمر، أو غير ذلك من المعاني التي مبنى فهم الحديث عليها، فمعرفة الذات استقل بها علماء اللغة والاشتقاق، ومعرفة الصفات استقل بها علماء النحو والتصريف، وإن كان الفريقان لا يكادان يفترقان لاضطرار كل منهما إلى صاحبه في البيان.
وقد عرفت- أيدك الله وإيانا بلطفه وتوفيقه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفصح العرب لسانا، وأوضحهم بيانا. وأعذبهم نطقا، وأسدهم لفظا. وأبينهم لهجة، وأقومهم حجة.
وأعرفهم بمواقع الخطاب، وأهداهم إلى طرق الصواب. تأييدا إلهيا، ولطفا سماويا. وعناية ربانية، ورعاية روحانية، حتى لقد قال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه- وسمعه يخاطب وفد بني نهد-:
يا رسول الله نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بمالا نفهم أكثره! فقال «أدبني ربي فأحسن تأديبي، وربيت في بني سعد» . فكان صلى الله عليه وسلم يخاطب العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، وتباين بطونهم وأفخاذهم وفصائلهم، كلا منهم بما يفهمون، ويحادثهم بما يعملون.