الباب الثاني فيما عدا التواتر من الطرق الدالة على كون الخبر صدقا
القول في الطرق الصحيحة
وهي ثمانية الأول الخبر الذي عرف وجود مخبره بالضرورة الثاني الخبر الذي عرف وجود مخبره بالاستدلال الثالث خبر الله تعالى صدق باتفاق أرباب الملل والأديان ولكنهم اختلفوا في الدلالة عليه بحسب اختلافهم في مسألتي الحسن والقبح والمخلوق أما أصحابنا فقد قال الغزالي رحمه الله يدل عليه دليلات أقواهما إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن امتناع الكذب على الله تعالى والثاني أن كلامه تعالى قائم بذاته ويستحيل الكذب في كلام النفس على من يستحيل عليه الجهل إذ الخبر يقوم بالنفس على وفق العلم والجهل
على الله تعالى محال
ولقائل أن يعترض على الأول بأن العلم بصدق الرسول موقوف على دلالة المعجزة على صدقه صلى الله عليه وسلم وذلك إنما كان لأن المعجز قائم مقام التصديق بالقول وإذا كان صدق الرسول صلى الله عليه وسلم مستفادا من تصديق الله تعالى إياه وذلك إنما يدل أن لو ثبت أن الله صادق إذا لو جاز الكذب عليه لم يلزم من تصديقه للنبي صلى الله عليه وسلم كونه صادقا فإذن العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم موقوف على العلم بصدق الله تعالى فلو استفدنا العلم بصدق الله تعالى من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم للزم الدور فان قلت لا نسلم أن دلالة تصديق الله تعالى للرسول على كونه صادقا يتوقف على العلم بكون الله تعالى صادقا لأن قوله للشخص المعين أنت رسولي جار مجرى قول الرجل لغيره أنت وكيلي فإن هذه الصيغة وإن كانت إخبارا في الأصل لكنها إنشاء في المعنى والإنشاء لا يتطرق إليه التصديق والتكذيب وإذا كان كذلك فقول الله تعالى للرجل المعين أنت رسولي يدل على رسالته سواء قدر أن الله تعالى صادق أو لم يقدر ذلك وعلى هذا ينقطع الدور قلت هب أن قوله في حق الرسول المعين إنه رسولي إنشاء
ليس يحتمل الصدق والكذب لكن الإنشاء تأثيره في الأحكام الوضعية لا في
الأمور الحقيقية وإذا كان كذلك لم يلزم من قول الله تعالى له أنت رسولي أن يكون الرسول صادقا في كل ما يقول لأن كون ذلك الرجل صادقا أمر حقيقي والأمور الحقيقية لا تختلف باختلاف الجعل الشرعي فإذن لا طريق إلى معرفة كون الرسول صادقا فيما يخبر عنه إلا من قبل كون الله تعالى صادقا وحينئذ يلزم الدور وعلى الثاني أن البحث في أصول الفقه غير متعلق بالكلام القائم بذات الله تعالى الذي ليس بحرف ولا صوت بل عن الكلام المسموع الذي هو الأصوات المقطعة وإذا كان كذلك لم يلزم من كون الكلام القائم بذاته تعالى صدقا كون هذا المسموع صدقا فلعمنا حتى أن هذه الحجة مغالطة وأيضا يقال لم قلت إن الكلام القائم بذاته تعالى صدق قوله لأنه تعالى ليس بجاهل ومن لا يكون جاهلا استحال أن يخبر بالكلام النفساني خبرا كاذبا قلنا هذه القضية غير بديهية فما البرهان وأما المعتزلة فهم ظنوا أن هذا البحث ظاهر على قواعدهم فقالوا الكذب قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح
والاعتراض أن نقول إن البحث عن أن الله تعالى لا يصح عليه الكذب يجب أن يكون مسبوقا بالبحث عن ماهية الكذب لأن التصديق
مسبوق بالتصور فنقول أما أن يكون المراد من الكذب الكلام الذي لا يكون مطابقا للمخبر عنه في الظاهر سواء كان بحيث لو أضمر فيه زيادة أو نقصان أو تغيير صح وإما أن يكون المراد منه الكلام الذي لا يكون مطابقا للمخبر عنه في الظاهر ولا يمكن أن يضمر فيه ما عنده يصير مطابقا فإن أردتم بالكذب المعنى الأول لم يمكنكم أن تحكموا بقبحه وبأنه لا يجوز ذلك على الله تعالى لأن أكثر العمومات في كتاب الله مخصوص وإذا كان كذلك لم يكن ظاهر العموم مطابقا للمخبر عنه وكذا الحذف والإضمار واقعان باتفاق أهل الإسلام في كتاب الله تعالى حتى إنه حاصل في أوله فإن الناس اختلفوا في معنى بسم الله الرحمن الرحيم فمنهم من قدم المضمر وهو الأمر أو الخبر ومنهم من أخره وكذا الحمد لله رب العالمين قالوا معناه قولوا الحمد لله