أما النهي عنها على الجمع فهو أن يقول الناهي للمخاطب لا تفعل هذا ولا هذا فيكون ذلك موجبا للخلو عنهما أجمع
ثم تلك الأشياء التي أوجب الخلو عنها إن كان الخلو عنها ممكنا فلا شك في جواز النهي وإن لم يكن كان ذلك النهي جائزا عند من يجوز التكليف بمالا يطاق وأما النهي عن الجمع بين أشياء فهو مثل أن تقول لا تجمع بين كذا وكذا ثم تلك الأشياء إن أمكن الجمع بينها فلا كلام في جواز ذلك النهي وإلا لم يجز عند من لا يجوز تكليف مالا يطاق لأنه عبث يجري مجرى نهي الهاوي من شاهق جبل عن الصعود وأما النهي عن الأشياء على البدل فهو أن يقال للإنسان لا تفعل هذا إن فعلت ذلك ولا تفعل ذلك إن فعلت هذا وذلك ب أن يكون كل واحد منهما مفسده عند وجود الآخر وهذا يرجع إلى النهي عن الجمع بينهما وأما النهي عن البدل فيفهم منه شيئان
أحدهما أن ينهى الإنسان عن أن يفعل شيئا ويجعله بدلا عن غيره وذلك يرجع إلى النهي عن أن يقصد به البدل وذلك غير ممتنع والآخر أن ينهى عن أن يفعل أحدهما دون الآخر لكن يجمع بينهما وهذا النهي جائز إن أمكن الجمع وغير جائز إن تعذر على قول
من لا يجوز تكليف مالا يطاق والله أعلم
الكلام في العموم والخصوص وهو مرتب على أقسام
القسم الأول في العموم وهو مرتب على شطرين
الشطر الأول في ألفاظ العموم وفيه مسائل
المسألة الأولى في العام
هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد كقولنا الرجال فإنه مستغرق لجميع ما يصلح له ولا يدخل عليه النكرات كقولهم رجل لأنه يصلح لكل واحد من رجال الدنيا ولا يستغرقهم
ولا التثنية و (لا) الجمع لأن لفظ رجلان ورجال يصلحان لكل اثنين وثلاثة ولا يفيدان الاستغراق ولا ألفاظ العدد كقولنا خمسة لأنه صالح لكل خمسة ولا يستغرقه
وقولنا بحسب وضع واحد احتراز عن اللفظ المشترك أو الذي له حقيقة ومجاز فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا وقيل في حده أيضا إنه اللفظة الدالة على شيئين فصاعدا من غير حصر واحترزنا باللفظة عن المعاني العامة وعن الألفاظ المركبة وبقولنا الدالة عن الجمع المنكر فإنه يتناول جميع الأعداد لكن
على وجه الصلاحية لا على وجه الدلالة وبقولنا على شيئين عن النكرة في الإثبات وبقولنا من غير حصر عن أسماء الأعداد والله أعلم المسألة الثانية المفيد للعموم إما أن يفيد لغة أو عرفا أو عقلا أما الذي يفيده لغة فإما أن يفيده على الجمع أو على البدل والذي يفيده على الجمع فإما أن يفيده كونه اسما موضوعا للعموم أو لأنه اقترن به ما أوجب عمومه وأما الموضوع للعموم فعلى ثلاثة أقسام الأول ما يتناول العالمين وغيرهم وهو لفظ أي في الاستفهام والمجازاة تقول أي رجل وأي ثوب وأي جسم في الاستفهام والمجازاة وكذا لفظ كل وجميع الثاني ما يتناول العالمين فقط وهو من في المجازاة والاستفهام
الثالث ما يتناول غير العالمين وهو قسمان أحدهما ما يتناول كل ما ليس من العالمين وهو صيغة ما
وقيل إنه يتناول العالمين أيضا كقوله تعالى ولا أنتم عابدون ما أعبد وثانيهما ما يتناول بعض ما ليس من العالمين وهو صيغة متى فإنها مختصة بالزمان وأنى وحيث فإنهما مختصان بالمكان وأما الاسم الذي يفيد العموم لأجل أنه دخل عليه ما جعله كذلك فهو إما في الثبوت أو في العدم أما الثبوت فضربان لام الجنس الداخلة على الجمع كقولك الرجال والإضافة كقولك ضربت عبيدي وأما العدم فكالنكرة به في النفي وأما الاسم الذي يفيد العموم على البدل فأسماء النكرات على اختلاف مراتبها في العموم والخصوص وأما القسم الثاني وهو الذي يفيد العموم عرفا كقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم فإنه يفيد في العرف تحريم جميع وجوه الاستمتاع