قال الفراء: هذا من المقلوب، أي فهداهم لما اختلفوا فيه.
المسألة الرابعة: قوله: بإذنه فيه وجهان أحدها: قال الزجاج بعلمه الثاني: هداهم بأمره أي حصلت الهداية بسبب الأمر كما يقال: قطعت بالسكين، وذلك لأن الحق لم يكن متميزا عن الباطل وبالأمر حصل التمييز فجعلت الهداية بسبب إذنه الثالث: قال بعضهم: لا بد فيه من إضمار والتقدير: هداهم فاهتدوا بإذنه.
أما قوله: والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فاستدل الأصحاب به معلوم، والمعتزلة أجابوا من ثلاثة أوجه أحدها: المراد بالهداية البيان، فالله تعالى خص المكلفين بذلك والثاني: المراد بالهداية الطريق إلى الجنة الثالث: المراد به اللطف فيكون خاصا لمن يعلم أنه يصلح له وهو قول أبي بكر الرازي.
[سورة البقرة (2) : آية
214]</span>
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب (214)
في النظم وجهان الأول: أنه تعالى قال في الآية السالفة: والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم:
والمراد أنه يهدي من يشاء إلى الحق وطلب الجنة فبين في هذه الآية أن ذلك الطلب لا يتم ولا يكمل إلا باحتمال الشدائد في التكليف فقال: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم الآية الثاني: أنه في الآية السالفة ما بين أنه هداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه بين في هذه الآية أنهم بعد تلك
الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق وصبروا على البلوى، فكذا أنتم يا أصحاب محمد لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن.
وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: استقصينا الكلام في لفظ «أم» في تفسير قوله تعالى: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت [البقرة: 133] والذي نريده هاهنا أن نقول «أم» استفهام متوسط كما أن (هل) استفهام سابق، فيجوز أن يقول: هل عندك رجل، أعندك رجل؟ ابتداء، ولا يجوز أن يقال: أم عندك رجل، فأما إذا كان متوسطا جاز سواء كان مسبوقا باستفهام آخر أو لا يكون، أما إذا كان مسبوقا باستفهام آخر فهو كقولك: أنت رجل لا تنصف، أفعن جهل تفعل هذا أم لك سلطان؟ وأما الذي لا يكون مسبوقا بالاستفهام فهو كقوله:
الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه [السجدة: 1- 3] وهذا القسم يكون في تقدير القسم الأول، والتقدير: أفيؤمنون بهذا أم يقولون افتراه؟ فكذا تقدير هذه الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فصبروا على استهزاء قومهم بهم، أفتسلكون سبيلهم، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم؟ هذا ما لخصه القفال رحمه الله، والله أعلم.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم أي ولم يأتكم مثل الذين خلوا وذكر الكوفيون من أهل النحو أن (لما) إنما هي (لم) و (ما) زائدة وقال سيبويه: (ما) ليست زائدة لأن (لما) تقع في مواضع لا تقع فيها (لم) يقول الرجل لصاحبه: أقدم فلان؟ فيقول: (لما) ولا يقول: (لم) مفردة، قال المبرد: إذا قال القائل: لم يأتني زيد، فهو نفي لقولك أتاك زيد وإذا قال: لما يأتني فمعناه أنه لم يأتني بعد وأنا أتوقعه قال النابغة:
أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما نزل برحالنا وكأن قد