بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الكتاب
الحمد الله فالق الإصباح وخالق الأرواح والأشباح فاطر العقول والحواس ومبدع الأنواع والأجناس والذي لا بداية لقدمه ولا غاية لكرمه ولا أمد لسلطانه ولا عدد لإحسانه خلق الأشياء كما شاء بلا معين ولا ظهير وأبدع في الإنشاء بلا ترو ولا تفكير تحلت بعقود حكمته صدور الأشياء وتجلت بنجوم نعمته وجوه الأحياء
جمع بين الروح والبدن بأحسن تأليف ومزج بقدرته اللطيف بالكثيف قضى كل أمر محكم وأبدع كل صنع مبرم عجيب تبصرة وذكرى لكل عبد منيب
أحمده ولا حمد إلا دون نعمائه وأمجده بأكرم صفاته وأشرف أسمائه
وأصلي على رسوله الداعي إلى الدين القويم التالي للقرآن العظيم المنتظر في دعوة إبراهيم نبيا المبشر به عيسى قومه مليا المطرز اسمه على ألوية الدين المقرب منزلته وآدم بين الماء والطين ذلك محمد سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين
صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الأنصار منهم والمهاجرين وسلم عليه وعليهم أجمعين
أما بعد فهذا مختصر يشتمل على علم أصول الدين وهو مرتب على أبواب
الباب الأول في المباحث المتعلقة بالعلم والنظر وفيه مسائل
المسألة الأولى العلم إما تصور وإما تصديق
فالتصور هو إدراك الماهية من غير أن تحكم عليها بنفي أو إثبات كقولك الإنسان فإنك تفهم أولا معناه ثم تحكم عليه إما بالثبوت وإما بالانتفاء فذلك الفهم السابق هو التصور
والتصديق هو أن تحكم عليه بالنفي أو الإثبات
وههنا تقسيمان التقسيم الأول أن كل واحد من التصور والتصديق قد يكون بديهيا وقد يكون كسبيا فالتصورات البديهية مثل تصورنا لمعنى الحرارة والبرودة والتصورات الكسبية مثل تصورنا لمعنى الملك والجن والتصديقات البديهة كقولنا النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان والتصديقات الكسبية كقولنا الإله واحد والعالم محدث
والتقسيم الثاني التصديق إما أن يكون مع الجزم أو لا مع الجزم
أما القسم الأول فهو على أقسام أحدها التصديق الجازم الذي لا
يكون مطابقا وهو الجهل
وثانيها التصديق الجازم المطابق لمحض التقليد وهو كاعتقاد المقلد
وثالثها التصديق الجازم المستفاد من إحدى الحواس الخمس كعملنا بإحراق النار وإشراق الشمس
الرابع التصديق الجازم المستفاد ببديهة العقل كقولنا النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان لا التصديق الجازم المستفاد من الدليل
وأما القسم الثاني وهو التصديق العاري عن الجزم فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم والمساوي هو الشك