بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي وهو حسبي وكفى
الحمد لله العليم القاهر الحكيم الذي وجب له القدم واستحال في تعاليه تجويز العدم والصلاة على النبي مبيد الباطل وموضح الحق بواضحات الدلائل
هذا وقد استدعيتم أرشدكم الله عز وجل ذكر لمع من الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة
فاستخرت الله تعالى في إسعافكم بمناكم والله المستعان وعليه التكلان
$ 1 - العالم وحدوثه
الأصل في حدوث العالم ووجود الصانع)
اعلموا وفقكم الله أن الأولى تقديم عبارات اصطلح الموحدون عليها ابتغاء منهم لجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ الوجيزة
فما أطلقوه العالم فإن قيل ما العالم ولم سمي العالم عالما
قلنا العالم عند سلف الأمة عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى
وعند خلف الأمة عبارة عن الجوهر والأعراض
فأما قوله لم سمي العالم عالما
فأما العالم فمشتق من العلم والعلامة
وإنما سمي العلم علما لأنه أمارة منصوبة على وجود صاحب العلم
فكذلك العالم بجواهره وأعراضه وأجزائه وأبعاضه دلالة دالة على وجود الرب سبحانه وتعالى
فإن قيل ما حد الجوهر وما حقيقة العرض
قلنا الجوهر قد ذكرت له حدودا شتى غير أنا نقتصر على ثلاثة منها فنقول الجوهر المتحيز
وقيل الجوهر ماله حجم
وقيل الجوهر ما يقبل العرض
فأما العرض فقد قيل ما يقوم بالجوهر
وقيل ما يطرأ على الجواهر كالألوان والطعوم والروائح والعلوم والقدر والإرادات الحادثة وأضدادها والحياة والموت
وقيل العرض ما يستحيل عليه البقاء
ثم أعلم أن الموجود ينقسم إلى قديم وحادث
فالقديم هو الموجود الذي لا أول لوجوده
والحادث هو الموجود الذي له أول
فإن قيل ما الدليل على حدوث العالم
قلنا الدليل عليه أن أجرام العالم وأجسامها لا تخلو عن الأعراض الحادثة وما لا يخلو عن الحادث حادث
السؤال على هذا الكلام من أربعة أوجه
الأول لا نسلم ثبوت الأعراض
ولئن سلمنا ثبوت الأعراض فلا نسلم حدوثها
ولئن سلمنا حدوثها فلا نسلم استحالة خلو الجوهر عن هذه الأعراض الحادثة
والرابع لم قلت إن ما لا يخلو عن الحادث حادث
أما السؤال الأول إنكار ثبوت الأعراض
الدليل على ثبوت الأعراض أن العاقل إذا رأى جوهرا ساكنا ثم رآه متحركا فقد أدرك التفرقة الضرورية 118 وبين هاتين الحالتين
وتلك التفرقة لا تخلو
إما أن ترجع إلى ذات الجوهر
أو إلى معنى زائد على الجوهر
استحال أن يقال ترجع التفرقة إلى ذات الجوهر لأن الجوهر في الحالتين متحد والشيء لا يخالف نفسه فلا يقع الافتراق إلا بين ذاتين فصح ووضح بذلك أن التفرقة راجعة إلى معنى زائد على الجوهر وذلك هو العرض الذي ادعيناه
والسؤال الثاني منع حدوث الأعراض
والدليل على حدوث الأعراض أنا نرى الأعراض المتضادة تتعاقب على محالها فنستيقن حدوث الطارئ منها من حيث وجدت ونعلم حدوث السابق منها من حيث عدمت
إذ لو كانت قديمة لاستحال عدمها لأن القدم ينافي العدم وإن ما ثبت له القدم استحال عليه العدم
والدليل على استحالة تعري الجواهر عن الأعراض
أن الجواهر شاغلة للأحياز والجواهر الشاغلة للأحياز غير مجتمعة ولا مفترقة بحال بل باضطرار يعلم أنها لا تخلو عن كونها مجتمعة أو مفترقة
وذلك يقضي باستحالة خلوها عن الاجتماع والافتراق
وكذلك نعلم ببديهة العقول استحالة تعري الأجرام عن الاتصاف بالتحرك والسكون واللبث في المحال والزوال والانتقال