وكذا دعوى الأشاعرة والماتريدية أنهم أهل السنة والجماعة؛ فقد قلبها الباحث عليهم من عدة وجوه؛ حيث لم يحققوا ضابط أهل السنة فيهم، بل تحقق نقيضه؛ فقد فرطوا في مصادر التلقي (الكتاب والسنة والإجماع)، فسلطوا على القرآن طاغوت التأويل، وطاغوت المجاز، وطاغوت تقديم العقل على النقل ... وأن نصوص الكتاب والسنة ظنية الدلالة .. وعدم الاحتجاج بأحاديث الأحاد، كما أن الأشاعرة خالفوا إجماعات السلف في غالب أبواب الاعتقاد؛ فخالفوا أهل السنة في قواعد الشريعة وأصول الدين؛ ثم ساق الباحث شهادة أئمة السنة بخروج الأشاعرة من أهل السنة، ومن ذلك ما أخرجه ابن عبد البر عن ابن خويز منداد (ت 390ه): «أهل الأهواء عند مالك وأصحابنا هم أهل الكلام؛ فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدا ويهجر ويؤدب على بدعته ... » (¬4).
وبعد أن خاض الباحث غمار مسائل عويصة، وحرر مباحث معضلة، واستوعب وأحكم كتب السلف، وغاص في أعماق مراجع أهل البدع (الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والفلاسفة)، وأجاد فهمها وأحكم نقضها، عندئذ ختم بحثه بهذه الكلمات: «وبعد: فهذا ما اقتضاه الخاطر المكدود، على عجره وبجره، وعلاته وهناته، وعجزه وضعفه، فما كان فيه من صواب، فمن الكريم الوهاب، وما فيه من زلل ونقصان، فمن النفس الأمارة والشيطان، وأسأل الله منه الصفح والغفران» (¬5).
وهكذا فالبحث الجاد والعلم النافع يورث تواضعا وإخباتا، وعلى هذا جرت مناقشة هذه «الموسوعة» بهدوء وخمول، وفي قاعة صغيرة، لم يحضرها إلا أربعة: الباحث ولجنة المناقشة.
المصدر: موقع الشيخ عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف PageV02P183
ساعة وفاء
إبراهيم السكران
الحمدلله وبعد.
فتحنا عيوننا نحن أبناء هذا الجيل على الدنيا ونحن نشاهد زخم الصحوة الإسلامية قبيل أزمة الخليج ومابعدها .. دروس هنا .. ومحاضرات هناك .. وإقبال شبابي عجيب على تزكية الإيمان وبناء الشخصية الإسلامية .. ومحافل أدبية اشتعل فيها مايسمى الأدب الإسلامي .. وتنامي تيار أسلمة العلوم .. ومؤسسات خيرية وغوثية .. والتفاف حول أهل العلم وتواصل معهم فيما يخص المنكرات والمخالفات الشرعية .. الفتى الصغير يفكر في معاناة أطفال المسلمين في أصقاع الأرض .. وشغف لاينضب بمفهوم الدولة الإسلامية والتطبيق المتكامل ل"تحكيم الشريعة" بكل مايشمله من اصلاح عقدي وتشريعي وسياسي .. إنه بكل اختصار: مجتمع يلتهب بشيء اسمه "حمل هم الإسلام" ..
ثم جاءت عاصفة سبتمبر، وتسلط الامبراطورية الأمريكية في ملاحقة وتهديد الأنشطة الاسلامية وتوجيه الأنظمة العربية لتطويق منابع التدين، وثورة نظم الاتصالات الحديثة، وتمكن فريق ليبرالي/تكنوقراطي من صناعة الضباب حول رأس الهرم .. كل هذه المتغيرات الداخلية والخارجية في سنيات قلائل .. محنة من أمر المحن والصعوبات .. زلت فيها اقدام كثيرة .. وانسحبت أقدام أخرى .. مشاعل هدى صاروا سموم ضلالة .. استبدلوا الانتماءات الشرعية كأهل السنة والاسلاميين بالوطنية، وصاروا ينفخون في اتباعهم تعظيم الدنيا وتعليق القلوب بها، والتزهيد في علوم الوحي واستعظام حطام الكفار، وتهوين الأمر والنهي الإلهي بكثرة التذرع بالخلاف، وتذويب الحواجز العقدية وتهتيك وهجها ووضوحها: السني/المبتدع، الاسلامي/العلماني، المسلم/الكافر، المؤمن/المنافق، الخ وتوهين الذرائع بين الجنسين، وتقويض اليقين بمقصود الشريعة في التحوط بين الجنسين، وكثرة تقزيم المحتسبين ولمزهم وتصويرهم في صورة البسطاء والمتهورين .. الخ الخ