[مقالات موقع الدرر السنية]
المؤلف: مجموعة من المؤلفين
الناشر: موقع الدرر السنية dorar.net
عدد الأجزاء: 3
[الكتاب مرقم آليا]
----NO PAGE NO------
من روائع المقالات القديمة
PageV01P001
السياسة الرشيدة في الإسلام
محمد الخضر حسين (ت:1377ه)
1 ربيع الثاني 1433ه
أتى على العالم حين من الدهر، وهو يتخبط في جهل وشقاء، ويتنفس من نار البغي الطاغية على أنحائه الصعداء، حتى نهض صاحب الرسالة الأعظم- صلوات الله عليه- بعزم لا يحوم عليه كلال، وهمة لا تقع إلا على أشرف غرض؛ فأخذ يضع مكان الباطل حقا، ويبذر في منابت الآراء السخيفة حكمة بالغة، وما لبثت الأمم أن تقلدت آدابا أصفى من كواكب الجوزاء، وتمتعت بسياسة يتجلى بها العدل في أحسن رواء، وأرفع سناء.
وضع الإسلام للسياسة نظاما يقطع دابر الاستبداد، ولا يبقي للحيف في فصل القضايا، أو الخلل في إدارة الشؤون منفذا.
أوصى الرعاة بأن لا ينفردوا عن الرعية بالرأي في آية: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] وآية: {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38].
ثم التفت إلى الأمة، وعهد إليها بالرقابة عليهم، وإسدائهم النصيحة فيما تراه غير واقع على وجه الاستقامة، فقال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} [آل عمران: 104].
ولم يكن الأمراء الراشدون - احتراما لهذا القانون الإلهي - يكرهون من الناس، أو يحجرون عليهم البحث في الشؤون العامة، ومجادلتهم فيها بلهجة ناصح أمين، وهذه صحف التاريخ حافلة بقصص الذين كانوا يقفون للخليفة عمر بن الخطاب، وهو يخطب على منبر المسجد الجامع، فينكرون عليه عزل عامل اعتقدوا أمانته، أو يجادلونه في رأي عزم على أن يجعله قانونا نافذا، فلا يكون منه سوى أن يقول لمن نطق على بينة: (أصبت)، ويرد على من أخطأ في المناقشة ردا جميلا.
وإن شئت مثلا من سيرة الأمراء الذين تقلبوا في فنون من أبهة الملك، ولبسوا من عظمته برودا ضافية؛ فقد حضر القاضي منذر بن سعيد مجلس الخليفة الناصر بمدينة الزهراء، فتلا الرئيس عثمان بن إدريس أبياتا تمضمض فيها بشيء من إطراء الخليفة، حتى اهتز لها طربا، وكان منذر بن سعيد ينكر على الناصر إفراطه في تشييد المباني وزخرفتها، فأطرق لحظة، ثم قال:
يا باني الزهراء مستغرقا
أوقاته فيها أما تمهل
لله ما أحسنها رونقا
لو لم تكن زهرتها تذبل
فما زاد الناصر على أن قال: (إذا هب عليها نسيم التذكار، وسقيت بماء الخشوع، لا تذبل إن شاء الله)، فقال منذر: (اللهم اشهد؛ فإني قد بثثت ما عندي).
في مقدرة ذلك الخليفة أن يفصل منذر بن سعيد عن وظائفه، أو يبعث به إلى المنفى غير آسف عليه، ويجعل عذره في ذلك العقاب خطبه التي كان يلقيها على منبر الجامع، ويتصدى فيها لنقد بعض أعمال الدولة، ولكنه أمير نفذت بصيرته إلى روح الشريعة الغراء، ودرس تاريخ الخلفاء قبله عن عبرة، فعرف أن لا غنى للدولة عن رجال يجمعون إلى العلم شجاعة، وإلى الشجاعة حكمة، حتى يمتطوا منصب الدعوة إلى الإصلاح بحق، ويكونوا الصلة التي يظهر بها أولو الأمر وبقية الشعب في مظهر أمة تولي وجهها شطر غاية واحدة، ثم لا يغيب عن مثل ذلك الخليفة العادل أن الدولة لا تحرز مجدا خالدا، وسمعة فاخرة، إلا أن تعيش في ظلالها أقوام حرة، وفي مقدمتهم علماء يجدون المجال للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فسيحا.