ذكر حركة الرايات المنصورة للسلطنة وانكسار الطليعة الخوارزمية
وفي اليوم التالي أرسل جيش العرب مع فوج كبير من مشاهير الأبطال كتقدمة، بينما اختار «الخوارزمي» جيشا هائلا ذا عظمة وجلال لتسقط PageV01P207 # الأخبار والتقدم كطليعة. فتوغل في المروج، وأرادوا أن ينزلوا على شاطئ النهر ويسيطروا عليه. وفجأة وصلت إليهم طليعة السلطان وأخذ بحر من السيوف ينهمر عليهم، وأدى التطام الفريقين واصطدام الطائفتين إلى دق الرؤوس في الخوذات والأبدان في الدروع كما يدق لباب الفستق في الهاون، وحين تحول النهار الأبيض إلى ليل بهيم بسبب ظلمة القتام والغبار أخذت كواكب الأسنة وشهب النصال تبرق.
وفي النهاية أسفر النصر عن وجهه، وولى الجيش الخوارزمي الفرار، واندفع أبطال الوغى بجلبة وضجيج كالعفاريت خلف أولاد الأفاقين أولئك، وصعقوا كل من وجدوه بسيل السيوف فانقلبوا صاغرين.
وحين انكشفت صحراء المعركة- وكانت بحرا مواجا من دماء الأوداج- عن أشلاء الأعداء، وفرض [جند السلطان] سيطرتهم على الماء والعشب، أرسلوا فارسا إلى أعتاب السلطان، وأخبروه بانكسار الخصم، وانهزام الجيش، واحتياز الماء والعشب، والتمسوا تحرك الركاب السلطاني إلى ذلك الموضع.
وفي الحال ضربوا الخيمة الملكية، ورفعوا الأعلام، وتحرك الجيش كالجبال الحديدية، وأخذوا خيمة السلطان إلى تلك المروج. فوصل الخبر إلى خوارزمشاه، فزايل الاطمئنان قلبه، وشرع في عتاب الأرزرومي. PageV01P208
ذكر انكسار طليعة الخوارزمي كرة ثانية
وفي اليوم التالي دخل جند كثيرون من الجانبين كطلائع، وأخذوا يجولون طيلة الليلة في الجبل والوادي، فلما تفرق جيش الهند (¬1) من جديد، ونزل ملك النجوم في ميدان الإقليم الخامس، رأى كل جيش غريمه فجأة، فاصطفوا وهجم الخوارزميون أول الأمر، فجعلوا من نصال السهام ما يشبه الفكر حين دفعوها إلى ضمائر الصغار والكبار، وأخذ الرسل يطلقون هنا وهناك صواعق السهام والمعابل مزودة بريش العقبان حتى أبلغ خبر شدة القوس وقوة سواعد الأبطال الرنين بلسان مبين لمسامع الخصوم خفاف الحركة وفرسان تلك الميادين.
فثبت جيش الملك «كثهلان» (¬2) و «حراء» للأمر، وحين مالت ريح صولتهم للركود، جرد الجند مرهفات السيوف وحرروا مثقبات الرماح، وهجموا عليهم دفعة واحدة كنوازل الأقدار، فأطاحوا بكل من لحقوا به، ولعبوا الكرة في ميدان المعركة بجماجم تلك الطائفة، كما قذفوا بقلانس السعادة إلى أجواء الفلك. وتبدل إقبال الخوارزميين إدبارا والكر انكسارا والهجوم فرارا، وأخذ جندهم من راكب وراجل يتعثرون ويتساقطون، وقد عزموا على الفرار وتولية الأدبار (¬3). وأهرق دمع العين على فراق الروح، واتصف ملك الأرواح بصفة PageV01P209 # العجز والدهشة لازدحام النفوس الشهيدة، وضاق الجو بأفواج الأرواح المفارقة- التي سقطت من المغاربة والمشارقة في تلك الملحمة- كضيق القلوب الولهانة للعشاق، وضيق صدر البخيل. وقام جند السلطان/ حامدين ذاكرين الله في ذلك المقام، وأرسلوا رجلا لإعلام الحضرة السلطانية بالأحوال، وكان الركاب السلطاني نفسه قد تحرك، وسارت الجيوش المنصورة وهي تحمد الخالق، فأقبلت على أيمن طائر إلى بلاط الملك المستولي على العالم، وعلم أن الخوارزميين كانوا قد أثخنوا بالجراح في معترك المنايا.