ذكر توجه السلطان والملك الأشرف مع العساكر المنصورة نحو «ياسي چمن» لمحاربة السلطان «جلال الدين»
في اليوم التالي حين طلع الصبح الصادق من أفق المشرق، وجرد ملك الكواكب السيارة حسامه المصقول من غمده عازما على الغزو، تعالى هدير الطبول، من تلقاء أعتاب السلطان، وبفأل حسن ويوم ظفر سارت المظلة المنيرة PageV01P205 # للعالم، [وماج الجيش بكل الطوائف من ترك وإفرنج وكرج وأوج وروم وروس وعرب- فوجا فوجا- كبحر من الحديد] (¬1)، فجاوزوا «سيواس» إلى «آقشهر» في أسبوع بسبب ضخامة الحشد.
وحين أبلغ السلطان «جلال الدين» بأن السلطان والملك الأشرف وباقي الملوك وأبطال الديار نزلوا بالعساكر المشهورة بصحراء «آقشهر» طلب «أرزن الرومي»، وذكر له ما جرى. فأجاب قائلا إن الرأي هو أن نلحق ب «ياسي چمن» قبل أن يبلغها ذلك الحشد، فإذا ما تيسرت لنا السيطرة على ذلك الموضع أقبلت الغلبة والنصر يخطران صوب عتبة الإيوان الأعلى. فانطلق السلطان منخدعا بأوهام «أرزن الرومي» وأخذ يسابق الريح طول الليل، حتى بلغوا جبل «ياسي چمن» عند الفجر، وحازوا الماء والعشب.
ولما علمت الجنود التي كانت قد ذهبت من قبل للمحافظة على ثغور «أرزنجان» وحراسة المضايق بقدوم رايات السلطنة مع ملوك الشام، توجهت بأسرها لخدمة السلطان. ودفع الأمير مبارز الدين جاولي- بالاتفاق مع سائر الأمراء- بألف من الفرسان إلى قمة الجبل كطليعة. فلما أقبل الليل، وأبعدت الطليعة عن الجيش، ظلوا يسيرون على الجبل طوال الليل حتى اقترب الصبح. وفي الفجر وجدوا أنفسهم وسط جيوش العدو،/ وكان في ملازمة ركاب خوارزمشاه مائة ألف فارس، فحاصروهم، «فكشفت الحرب عن ساقها وأبدت شراسة أخلاقها، وهمت بسفك الدماء وإهراقها» (¬2)، وبرغم ما لحق بالخوارزمي من مدد تلو المدد، بينما كان جند السلطان قليلي العدد فاقدي المدد، فقد ثبتوا PageV01P206 # وأذاقوا شربة الموت لأضعاف عددهم. وفي النهاية حين فرغت الكنائن من السهام، ولم يبق في الجعاب نصال تشبه الشهب، اضطروا إلى الترجل عن خيولهم، واتقوا الصفاح بالكفاح، فصار بعضهم قتيلا وكسيرا وبعضهم الآخر مأخوذا أسيرا.
وحين جيء بالأمراء الذين دخلوا في زمرة الأسرى إلى الخوارزمشاه، أمر بوضع الوهق في أقدامهم ورقابهم، وتوقيفهم إلى أن تعرف عاقبة الحرب ولمن النصر والظفر.
ثم إنه استدعى «أرزن الرومي»، وفاتحه في عنف مقاومة تلك الشرذمة القليلة، فأجابه بقوله: كان هؤلاء الفرسان يمثلون ظهر الجيش الرومي، أما وقد هزم وانكسر بفضل الله، فإن مملكة الروم ملك للسلطان.
وخرج بضعة أفراد من الاشتباك، وكانوا يعرفون الطريق، فلحقوا بجيش السلطان، وقصوا عليه القصة برمتها، فطلب السلطان الملك الأشرف، ورسم صورة الواقعة على لوح مخيلته، فلم ينفعل الملك بذلك المقال، وأظهر الثبات كالجبال، وقال: أجل، إن الجيش الذي ينكسر أولا يكون النصر حليفه في النهاية، ويتعين على السلطان أن يطمئن قلبه من هذه الناحية تماما، فسوف يتم الرد على تلك الطائفة الحاقدة بفضل الحق- تعالى- ومواتاة الحظ.