... PageV01P169
ذكر توغل مبارز الدين جاولى مع كمنينوس في ولاية الأرمن وفتح القلاع
حين قصد الأمير مبارز الدين جاولي چاشني گير وكمنينوس بلاد أرمينيا وفقا للأمر الأعلى، رأوا طريقا صخريا وعرا ضيقا، وبعد المنطقة الصخرية غابة، وفي كل مكان قلاع وبقاع وأماكن ومساكن، فتشاوروا، ثم أجمعوا على ألا يجتازوا قلعة إلا إذا فرغوا منها. فوصلوا أولا إلى «جنجين»، وكانت قلعة حصينة ومعقلا مكينا ضخما. فأمر «چاشني گير» بأن يصعد الجند الجبل فوجا فوجا، وأن يثبتوا الأعلام ويدقوا أوتاد خيام كأنها الجبال الرواسي على قلالها، ويضربوا طوقا (¬1) حول القلعة ذائعة الصيت.
وفي اليوم التالي حبسوا الأنفاس عن أهل القلعة، الذين كتبوا رسالة- لما لحقهم من عجز ومذلة- إلى ليفون [تكور] (¬2) أفصحوا فيها عن ما هم فيه من عجز وانعدام حيلة، فاستعان ليفون بالفرنجة وكتب رسائل استغاثة، فتجمعت منهم جماعة، حمية وعصبية/، ولحقوا بليفون.
استقر جيش المليك على الجبل بينما نزلت جنود الخصوم في الصحراء.
فلما حل الليل، وأقاموا الحفل، قال الأمير مبارز الدين في أثناء المعاقرة: إن هذا الجيش الذي قد جمعه ليفون من كل مكان ليس له في نظرنا وزن بوجه من الوجوه، وفي الغد عند انتصاف النهار حين تتوسط الشمس ميدان السماء نحيط مع جملة الشجعان بالكفار، ونبذل ما في الوسع، والمأمول أن يتحقق وعد الحق [تعالى] بنصرة أعوان الدين. PageV01P170
[وعند السحر، ومع طلوع طاووس الخميلة الموشاة بالزخارف، أقبل الصبح بضحكة طير الحجل البري، فمضى الجيش يرغي ويزبد كالأسد الهصور وارتفعت في الجو من ألوان الأعلام روضة ورد أخرى. وشرعت الردينيات (¬1) في العمل، وحين شمروا الأردان (¬2) عن الأبدان، أخذت السمهريات (¬3) بالأبصار كأنها اليقظة والسهر، وحل السهم من صميم القلوب محل الفكر والتذمر، وأصبح السيف البتار محمول الأعناق بدل الرؤوس، وسلب جيش الإله بعظمة المليك لباس الوجود من قلب العدو بحملة واحدة] (¬4)، فانطلق الصراخ من أعماق الكفار وقامت القيامة.
ثم إنهم شنوا حملة واحدة على عساكر السلطان، فأمر القائد بأن يحكم الفرسان كافة الإمساك بالعنان، فأحكم الجند الصفوف إحكام جبل «ثهلان» وفقا لأمر البطل، حتى أخمدت ريح الفشل جيش ليفون. وعندئذ انطلقوا جميعا كالشهب الراصدة للعفاريت وراء ذلك القبيل من عبدة الطواغيت، فضاقت بهم الصحراء على اتساعها بسبب ضربات السهام، وأخذ الفرسان يتعقبونهم بخيولهم، فما من أحد وجدوه منهم إلا أطاحوا به.
وفر ليفون إلى الجبل مع عدد من أولئك/ الظلمة مطأطئا رأسه كالمتظلمة.
أما جيش السلطان فقد عاد بفضل الباري من المعركة بالكثير من الغنائم والعديد PageV01P171 # من أسرى الفرنج وكفار تلك الديار، ووقف بحذاء القلعة. فلما شاهد أهلها تلك المحنة من عل استبدت بهم الحيرة وركبهم الاضطراب.
وأمر الأمير مبارز الدين بإقامة الحفل، فتغنى المطربون بمقدمة رائعة في زوال نوبة دولة الكفار، وشنفوا الأسماع بشجاعة أبطال الحرب بأحلى نغم وأصدق قول.
وفي الصباح نزل أحد القساوسة من القلعة وقد تخضبت عيناه بالدماء، وقبل الأرض أمام قائد جيش السلطان وقال: قد بقينا جميعا عاجزين عن العمل، ونثرنا نقد العمر في ريح الخيبة من تعب الحصار، لقد سعيت ورأسي بين كفي إلى القائد، لأنظر ما هو صانع.