فأقام الأمير حسام الدين حفلا، ونادى على الأمراء والقادة الشامخين برؤوسهم، وقال في أثناء العقار: كل واحد منكم أكثر إعزازا مني في خدمة عرش السلطنة، ولكن لابد من التوافق والتآزر إذا حمي الوطيس. واليوم، ظهر بعض الفتور عن تصعيد القتال مع الأعداء، فإن لم نضح بأرواحنا غدا وفعلنا ما فعلناه اليوم لن يبقى لنا اسم ولا ذكر في الدنيا، فنكون بذلك كخصومنا سواء بسواء.
فأثنى عليه العظماء والقادة، وقالوا: أجل، نحن مماليك سلطان العالم، لكنك لو أمرتنا لاجتزنا بحصان الامتثال لأمرك ذروة قصر الإثني عشر بابا (¬3) والقبة الزرقاء كومضة البرق. فنحن إنما نذعن لكل ما تأمر به. PageV01P160
وفي الجانب الآخر، كان الترك قد شهدوا من جيش الروم ما ثخن من جراح (¬1)، واستغرق سائرهم بالبدن والروح/ في نهر من الدم، فقالوا: أهل السغد والخزر يقترفون الذنب وتحل علينا نحن غرامته (¬2) ونقمته، ولكن أما وقد وقع ما وقع فلا يجوز التسليم مهانة وذلة.
وفي الصباح الباكر حين ألقت الشمس درعا ذهبية في هذا البحر اللازوردي على الماء سارع حامل أعلام الجيش المنصور برفع الراية، فتحركت الجنود، وأخذت السحابة التي كان وبلها المناصل والمعابل في الإمطار، فهجم الأمير حسام الدين هجمة الأسد، ودفع الجيش في إثره الخيول دفعة واحدة، فلما نصبوا طرة الراية (¬3) في مقابلة ريح النصر في جيش الترك، ومزجوا بضرب الحسام دماء عروق أولئك الكفار العاقين بالتراب، وسلك الترك طريق الهزيمة، وعدوا الفرار العاجل نصرا مؤزرا. ودفع الجيش بتلك الحملة الشجاعة لملك الأمراء حسام الدين جوبان عن عش القلب ما كان يتردد عليه من أحزان، ورفع راية السرور فوق السماوات العلى، وتوجه الجيش بحسن الطالع صوب المخيم الذي كان وكرا لعقاب الظفر وقد نال المقاصد والأماني.
... PageV01P161