... PageV01P157
ذكر عبور جيش السلطان بحر الخزر بقيادة حسام الدين چوبان
أقام السلطان زمنا في «كيقبادية» بقيصرية، وظل يتطلع لسنوح الفتوح.
وحين عبر جيش الملك البحر قاصدا الخزر، رأى أهل السغد- وكانت بومة الخذلان وطائر الإدبار قد قبعا على شرفات قصر زمانهم- أن غابة من السفن والقلاع قد جرت فوق سطح البحر، فأرسلوا رسولا لاستقبال ملك الأمراء قائلا: إنما نحن مماليك ملك العالم نطيع أمره، فما الباعث على إرسال جيش كثيف إلى شاطئ البحر، فإن كان قد ظهر فتور في أداء الجزية [ورسم] (¬1) العبور فيمكن سداد ما عليها من غرامة. وإن كنتم تقصدون الروس ندبنا لكم وجعلنا بصحبتكم وخدمتكم شبابا كأشجار السرو الطليقة لكي يحاربوا الأعداء بالسيف ولا يضنون بأرواحهم.
وبعثوا برسول عن طريق الصحراء إلى ملك القفجاق أن أعلام عساكر السلطان قد توجهت في «الجواري المنشآت في البحر كالأعلام» (¬2) إلى هذه/ الناحية، والبحر لا يظهر للعيان من تواثب الجيش وحركته الدائمة. فأرسل ملك القفجاق في الحال إلى ملك الروس، وجمعوا من قبائل الروس والقفجاق وعساكرها عشرة آلاف فارس، وانتظروا ما يعود به رسول أهل السغد من جواب من لدن الأمير حسام الدين.
ولما وصل الرسول إلى ملك الأمراء بدأ يتكلم كلاما واهنا كبيت العنكبوت، PageV01P158 # وقال: المتوقع من ألطاف ملك الأمراء أن يعود لكي نزيل- بقدر الإمكان- مخالفة التقصير التي ارتكبناها، ونحن نقدم الآن خمسين ألف دينار في مقابل الأمان الذي يعطيه لنا هذا الجيش.
فاستبد الضيق بملك الأمراء وسط البحر، وقال: أنا ما جردت الجيش لكي أقايض سوق القتال بذهب كاسد، أو يرجح عندي خبط أصحاب الفشل بالقول الفاسد لكل رسول وقاصد لإحباط العمل، فحين تلقيت أمر ملك العالم خضت لجة البحر بسفينة القلب، فكل من يلوي عنقه عن أمر السلطان لن أجعل طوق عنقه إلا رباق الخذلان. أما من يدخل رأسه في دائرة الطاعة فلن يذوق مني إلا لذة المن والسلوى. وأعاد الرسول يائسا. وعبرت العساكر كلها البحر بالتوفيق والسلامة، وحطت رحالها من الرطب على اليابسة.
ثم إن الأمير حسام الدين أقام حفلا، وظل إلى منتصف الليل يعطي الطرب حقه مع أمراء العساكر. وعند الفجر جاء فارس من الطليعة وقال: ظهر الجيش الغدار للترك. فلما سمع القائد ذلك أمر بأن ينهض الجيش وأن يرتفع نداء الطبول ليصل إلى سمع «جبريل» (عليه السلام) ثم قال للقادة: يجب علينا قبل أن تصل إليهم قوات في ميدان المعركة لمددهم من الروس والسقسين أن نضع على أبداننا الدرع مكان الكفن، وأن نبذل في مواجهتهم أقصى ما يمكننا من جهة، لكن/ بشرط أن نصطبر حين ينتظم الجيش وتتشكل الصفوف وتئن الأرواح خشية مفارقة الأشباح (الأبدان)، إلى أن يشن الترك هجومهم الثاني، فتسكن ريح صولتهم. فإذا ما علمنا طريقة قتالهم حملنا عليهم دفعة واحدة كي نظفر بحسن الذكر.
ومن الجانب الآخر كان الترك يقولون: لقد عبر جيش كالنار بمعونة الهواء PageV01P159 # فوق سطح الماء إلى هذا التراب (¬1)، وقصد هذه الولاية فينبغي أن نستثير أبداننا ونركز بأفئدتنا على الحرب والقتال.
وحين خرج الطاووس المشرقي من الحجاب الفستقي، بدأ القتال بالنزال بين الجانبين، فأخذوا يفصلون الأرواح عن الأشباح من الصباح حتى الرواح، ويملأون بالسيوف والرماح أرض الروس الواسعة بدماء الأوداج، وكما جبلت الورود الصفراء (¬2) في هذا الفضاء اللازوردي مضت عساكر الطرفين إلى مضارب الخيام.