ولما كان السلطان قد فرغ من جهة قتل الأمراء (¬3)، وامتلأ وعاء الخزائن بالنقود والجواهر، شرع في فتح البلاد والقلاع المتاخمة لحدود ممالكه. PageV01P142
ذكر فتح قلعة «كاخته» في أيام السلطان «علاء الدين كيقباد»
عرض أصحاب الأخبار على حضرة العاهل أن الملك «مسعود» صاحب «آمد» قد انحرف برأسه عن ربقة الولاء للسلطان، واستنصر بالملك «الكامل» وجعل الخطبة والسكة باسمه، فاستبد الغضب لهذا بالسلطان وأمر بأن يتوجه قادة حدود الروم بأسرها بكل معدات القتال وبأسرع ما يمكن إلى «ملطية» المحروسة، ويترقبون ما سوف يؤمرون.
فلحق الجند جميعا بدار الرفعة «ملطية» ووصل الأمر لتنفيذ ما يلي من مهام: ينطلق الأمير «مبارز الدين جاولي» بفوج من الأجناد صوب «كاخته» - وهي من بين ممالك «آمد» - ويهيئ الأسباب المفضية إلى فتحها. ويتجه الأمير «أسد الدين كندصطبل» بكوكبة من الجنود المشهورين إلى «جمشكزاك» و «كرفراك». وكلاهما تابع بدوره لحكم «آمد» (¬1).
فانطلق الأمير مبارز الدين بالعساكر وآلات الحصار إلى «كاخته» ونصب أحد المجانيق المغربية بمحاذاة البوابة. كما نصب اثنين من المجانيق أحدهما على يمين القلعة والآخر على يسارها. فلما علم الآمدي بذلك بعث برسالة استغاثة عاجلة إلى الملك الأشرف، الذي دفع بعز الدين بن البدر مع عشرة آلاف فارس من قبائل الأكراد والأعراب نحو «كاخته».
فلما أخبر الأمير مبارز الدين بأن الشاميين قادمون (¬2) وقد عقدوا العزم على PageV01P143 # القتال، نصب جماعة على أعمال المجانيق، واستعد بنفسه للقتال مع الأمراء والأجناد، وقدم إلى الصحراء في مواجهة الأعداء.
وفي اليوم التالي انطلق الجيشان للمواجهة، وجاء عند ذاك مدد قوامه ستة آلاف فارس من «آمد» فاختلطوا بعضهم ببعض، فأرسل الأمير مبارز الدين جانبا من/ الجيش [للحراسة] في طريق القلعة، وانطلق بنفسه مع خمسة من الإخوة- وهم من عرفوا بأولاد «فردخلا» وكانوا قد وصلوا لتوهم من ولاية «لشكرى» - لمواجهة الشاميين. فبادرهم الشاميون بالهجوم عدة مرات لكنهم ثبتوا كالجبال الرواسي. ثم إنهم حملوا حملة واحدة وقتلوا مقتلة عظيمة من جند العدو، وأسروا «عز الدين بن البدر» قائد الجيش، ووجه الباقون مذعورين حيارى وجوههم كل واحد إلى ناحية وولوا الأدبار.
فلما جيء بابن البدر إلى خيمة الأمير مبارز الدين، قابله بكل احترام. ثم إنه سارع في تلك الحميا (¬1) صوب القلعة فلما شاهد أهل القلعة ما حدث بلغ نواحهم الأمان عنان السماء، فنزل جماعة منهم أسفل القلعة، وطلبوا خطا بالأمان لكي يسلموا القلعة، فاستمالهم الأمير مبارز الدين وأزال بمصقل اللطف ما ران على خواطرهم من صدأ المحنة، وأقسم على مشهد من صاحب القلعة قائلا: أنا جاولي وهذا الجيش [وبقية أمراء السلطان وعساكره]؛ طالما أن أهالي القلعة قد ساروا في طريق الانقياد والإذعان وأنهم سيسلمون القلعة لمماليك السلطان، فلن يحلق بهم ضرر صغر أم كبر، وسوف أحقق لهم كل رغبة يريدونها من حضرة السلطان، وإن أرادوا الرحيل بأموالهم وأمتعتهم فلن أمنعهم.
فإن غرض سلطان العالم هو القلعة فحسب. PageV01P144
وحين سمع الأعيان هذه المعاني من الأمير مبارز الدين، نادوا للصلاة فصلوا جماعة (¬1)، ثم صعدوا، وأنزلوا نساءهم وعيالهم من القلعة، وأعدوا «كاخته» وهيأوها ثم سلموها في اليوم التالي لمماليك السلطان لكي يرفعوا عليها علم ملك العالم.