ذكر تحرك السلطان قاصدا الشام
(¬1)
حين انتقل الملك الظاهر- ملك حلب- إلى جوار الحق تعالى، كان ابنه- الملك العزيز- قريب العهد من مفارقة المهد، فاضطر أمراء تلك الدولة لمبايعته، وأجلسوه مكان أبيه، فصارت أمه، وكانت أخت الملك الأشرف حاكمة البلاد، فنبض في السلطان/ عرق المطالبة بملك حلب- حيث كان في حوزة أعمامه من قبل- وقال لأعاظم مملكته: يبدو لنا أن الوهن قد ظهر الآن في ملك الملك الظاهر فصار من يتصدى لملك تلك الديار طفل وامرأة، فلو أننا قصدنا ولاية الشام بحشد كبير قبل أن يكونوا جيشا ويدبروا أمرا فإن بيرقنا سوف يرفرف- بعون الحق- على شرفات تلك الديار، وتظهر الفسحة في رقعة البلاد.
قال الأمراء: جبلت طبيعة الملوك على دفع الأعداء وفتح البلاد، ولكن طالما أن السلطان أنعم علينا- نحن المماليك- برتبة الاستشارة، فلن يبخل علينا بالاستماع لمقالتنا؛ فلئن كان ذلك الولد- برغم صغر سنه- قد أصبح عزيزا في ديار أبيه فإن آباءه وأجداده طالما أعربوا عن محبتهم لهذه الأسرة [السلجوقية]، ولطالما أرسلوا الأحمال والتحف مثلما أرسلوا العساكر وقت طلب المدد. والآن وقد بقي يتيما فلو أن أحدا قصده بسوء لاستعان بهذه الدولة وطلب العون من هنا. فكيف إذا أرسل ملوك الأطراف يعزون ويهنئون وأكدوا المثل القائل- «صداقة الآباء قرابة الأبناء» (¬2)، ثم جرى من جانبكم شحذ منجل القهر والبأس ليحصد بلاد ذلك الحلف؛ لن يقع ذلك موقع القبول عند كبار الملوك والسلاطين وعظماء الزمان. PageV01P088
قال السلطان بعد طول تفكر: لا شك أن رعاية جانب الملوك من أوجب الواجبات، ولكن إن ارتدي أحد السلاطين سلاح الاقتدار وأسرج حصان الغلبة والسيطرة فإن عليه أن يتنكب طريق التصافي:
/ إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا (¬1)
ولا يخفى على الرأي الرزين لكل إنسان ما تعنيه مقولة: «لا أرحام بين الملوك». فإن كان ملوك الديار قد أرسلوا معزين ومهنئين، فما أظهروا الشهامة والطيبة إلا بسبب عجزهم، ومن ثم لا ينبغي أن نجعل تلك المروءة المفتعلة عنوانا لسجل يتم فيه تدوين ما لا يفيد ولا يجدي.
وأصدر السلطان أمرا للأمير نصرة الدين صاحب «مرعش» بأن موكب السلطان سيصل إلى تلك الحدود مصحوبا بالجنود والجيوش، فيتعين عليه إذن إعداد جيشه القديم ومن يلوذ به من أهله وذويه، وأن يكون جيشا- بقدر ما يستطيع- من المشاة والفرسان، ويجهز آلة الحصار. كما أصدر أمرا آخر بنفس المعنى لأمراء ملطية وسيواس، وأمرا إلى أمراء «الأوج» بدعوة العساكر المعهودة وأن يتحركوا على الفور دون تلكؤ أو تباطؤ، وأمرا إلى الأمراء والقادة الذين كانوا في مصيف «بنلو» لكي يتوجهوا بكامل هيئتهم إلى صحراء «آبلستان».
وفي ظرف عشرين يوما تجمع من أطراف الممالك من الجنود والحشود ما تجاوز حد الحصر. فانطلق السلطان مع كوكبة من الخواص صوب آبلستان، فلما وصلها أمر بإقامة احتفال عام واستمال أمراء العساكر، فرشح لكل مدينة من بلاد الشام أميرا. PageV01P089
وفي اليوم التالي قال السلطان بعد أن أحضرهم جميعا واستشارهم: في أي طريق ينبغي أن نسير؟ قالوا ليس هناك أسهل من طريق «مرزبان» و «رعبان» و «تلباشر»، فالمسافة من هناك إلى «حلب» أغلبها صحراء [ونادرا ما يعترض الطريق جبل] (¬1). فانطلقت القوات نحو ذلك الطريق، ووصلوا أولا إلى قلعة «مرزبان»، فاستخلصوها في ثلاثة أيام، وفي تلك/ الأيام لحق الأمير نصرة الدين صاحب «مرعش» بجيش كثيف بالسلطان، فأمره بالاتجاه من هناك صوب قلعة «رعبان»، فتيسر أمر السيطرة عليها بدورها، وفوض أمر حراستها لصهر الأمير نصرة الدين، واتجه من ثم إلى قلعة تلباشر، فحاصرها عشرة أيام، فلم يكن لذلك أي أثر، فأمر السلطان بقطع الأشجار وبساتين الكروم المحيطة بالقلعة ببلطة القهر، واستئصالها. فلما شهد أهل القلعة ذلك المنظر تجمعوا عند ملكها وقالوا: