ذكر محاصرة غياث الدين كيخسرو بن قلج ارسلان في قونية
حين علم أهل قونية بقدوم السلطان أعدوا عدة الحرب في سترة الوفاء لابن السلطان ركن الدين سليمان شاه، وتنكبوا عن قانون الصلح، فحمل شيطان الغرور السلطان على أن يأمر بقطع المزارع والحدائق ببلطة الضرر وفأس البأس، وتخريب القصور والدور المحيطة بالمدينة والقريبة منها، ويشعلوا فيها النيران. فقال PageV01P032 # لهم (¬1) السلطان قلج أرسلان إنني أعلم أن عمي قد وقف على قدم الانتقام وهو لن يبقي أو يحابي، وستكون نعمة كبرى لو أبقى علي حيا، فلا تبددوا مصلحتكم/ بغير جدوى. فأرسلوا رسولا إلى السلطان وقرعوا باب الصلح بشرط أن يفعل مع السلطان [قلج أرسلان] ما فعله السلطان ركن الدين مع الأميرين، وأن ينصبه ملكا على أحد الأقاليم. فإن هو أمر بصلة الرحم، وعني بهذا الأمر أحضروا قلج أرسلان إليه، كي يشرف بالتقبيل فيحظى بالتبجيل، ومن ثم يدخل المليك المدينة بفأل حسن.
فراق هذا الرأى للسلطان وأمر بتنصيبه ملكا على توقات حيث كان يتولاها [أبوه] السلطان ركن الدين عندما كان ملكا، وكتب منشور بذلك.
وحين رأى أعيان قونية العهود والمناشير حملوا الأمير هانئ البال مسرورا إلى حضرة عمه؛ فأرسل السلطان كلا من عز الدين وعلاء الدين للترحيب بالقدوم. وحين رأى ابن السلطان ركن الدين وجه عمه قبل الأرض، وطلب أن يقف على قدميه معقود اليدين، فما تركه السلطان يفعل وإنما أجلسه عنده وقبله على جبينه وأجلسه على ركبته وبالغ في استمالته، ومنحه هدية ملوكية، وأمر بأن يقيم بقلعة كاوله بضعة أيام، ينصرف بعدها سعيدا هانئا إلى توقات المحروسة. PageV01P033
ذكر دخول السلطان غياث الدين كيخسرو ابن قلج أرسلان قونية وجلوسه على عرش السلطنة
وفي اليوم التالي حين طلع ملك الكواكب، دخل السلطان كأنه الشمس تحت مظلة سوداء طالما كانت ملجأ وظهيرا للعالمين- دخل مدينة قونية- التي تعد ساعة واحدة من الحياة فيها خيرا من ألف شهر في غيرها من البلاد- بصحبة جيوش كأنها البحر الأخضر المواج، وحشم كرخات المطر المتواتر، فنقل القدم من ركاب حصانه- بعد أن توقف- إلى عرش آبائه الكرام، فبلغت أنواع الأفراح أرواح الخاص والعام، واتفقت أهواء الجند والعامة على/ محبته والولاء له: [شعر].
- حين وضع تاجا كبيرا على رأسه ... ، سعد التاج به وهو أيضا سعد.
- عمر ما كان خربا في كل مكان ... ، وحرر (¬1) قلوب المحزونين من الحزن.
وأبلغ مفروزم المنزلة العليا والمرتبة القصوى، وفوض عز الدين كيكاوس في ملك ملطية المحروسة كما فوض علاء الدين كيقباد في حكم مملكة دانشمند (¬2) PageV01P034 # بأسرها. وأرسل إلى ملوك الأطراف وسلاطينها الرسائل والمبعوثين معلنا عن مواتاة السعادة ومساعدة الإقبال.
وكان الشيخ مجد الدين اسحاق قد انتقل- وقت جلاء السلطان- من بلاد الروم إلى ديار الشام. فدعاه السلطان بهذه الأبيات الرائقة: [شعر].
- صحة الذات الطاهرة السماوية ... ، هي تاج أصحاب المجلس الأخوي.
- عز الأقران وحيد الآفاق ... ، صدر الإسلام مجد الدين اسحاق.
- العزيز الرفيق الأنيس ... ، إن هو إلا كروح الملاك.
- فليبق خالدا ليوم الحشر ... ، ولتتزايد حرمته ولتعل رتبته.
- لتنقطع عن كيانه أيدي الآفات ... ، ولتعم عن ذاته عيون الفتن.