فلما علم «جمري» و «محمد بك» / بعودة ابن الخان والجند، قفلوا راجعين إلى «قونية» بحشد كبير، وأرسلوا رسولا بأن يفتح باب المدينة، لكي يدخل الجيش ويتسوق. فنهض «قاضي القضاة في العالم: «سراج الملة والدين أبو البنا محمود الأرموي» - رضي الله عنه- لتحريض أهل المدينة على دفعهم ومقاومتهم، وأصدر فتوى بهذا الشأن، وصعد بنفسه على السور، وأطلق PageV01P401 # عليهم سهما. فلما وصل هذا الخبر إلى خدمة [الإيلخان] أعرب عن رضاه عن قاضي القضاة ومنحه مرسوما وعملة.
ولما يئس الأتراك من أخذ المدينة عمدوا إلى المناطق الواقعة خارجها فأغاروا عليها، وأحرقوها، وخربوها، ثم انصرفوا سالكين الطريق إلى «أرمينيا».
*** PageV01P402
ذكر دخول صاحب الديوان بلاد الروم وضبط أحوال المملكة
ذكر دخول صاحب الديوان (¬1) بلاد الروم وضبط أحوال المملكة
لما كان اضطرام جمرات الفتن واضطراب سكرات المحن يتزايد مع تواتر الأيام (¬2) بسبب هجوم الخصوم، وأخذ كل من اتخذ التمرد حرفة والفساد فكرة يشن الغارات على الناس من الجبال والأحراش، وصار هذا الأمر معلوما لدى الحضرة الإيلخانية، نفذ الأمر الأعلى بأن يتوجه صاحب ديوان الممالك- أعلى الله درجته- إلى بلاد الروم لاستمالة الرعية وعمارة الولاية وضبط الممالك وتنقيح حسابات أبواب المال والأملاك، وإصلاح الفاسد، وإرغام الحاسد، وتأليف الشارد ودفع المعاند. ووفقا للحكم تحرك الصاحب حتى بلغ شاطئ بحر المغرب من ناحية «لارنده»، وصمم على دفع الجمري والقرامانيين. فلما لحقوا بتلك الحدود أسروا حشدا هائلا من أتراك «الأرمناك»، وحصل الجيش الجرار على مواش كثيرة. ولما كان/ الشتاء قد بادر بالهجوم، وتعذر عبور الممرات بسبب تراكم الثلوج، فقد آثروا الرجوع، وعزم «كهوركا» وصاحب الديوان على اتخاذ معسكر شتوي.
ثم توجه السلطان «غياث الدين كيخسرو» والصاحب نحو «قونية»، وشغلوا بالإعداد للعودة إلى مقارعة أولاد قرامان، وانطلقوا مع كتيبة من جيش المغل كانت معهم صوب أولئك المخاذيل. فلما وصلوا إلى صحراء «موت آوا» تقدم خمسون من المغل وخمسون من المسلمين كطليعة لهم. PageV01P403
كان «الجمري» و «محمد بك» حين سمعا برجوع العساكر إلى المعسكر الشتوي وعودة السلطان والصاحب متوجهين إلى مناطق الاصطياف، [قد خرجا من مكمنهما الذي كانا يتواريان فيه] (¬1) فبقي «محمد بك» مع أخويه وابن عمه وبضعة نفر من أقاربه- كان يثق في شجاعتهم- لتسقط الأخبار، وأرسل «بالجمري» إلى داخل الحصون، وصعد هو مع تلك الجماعة فوق تل، فرأى كتيبة من طليعة المغل. فهاجمهم بالرمح، ولأن المكان كان وعرا وممرا ضيقا صعبا (¬2)، فقد نزل المغل، وأمطروهم بالسهام. وفي تلك الأثناء أصاب «محمد بك» سهم في مقتل، فانكفأ على وجهه، فتقدم أخوه لكي يحمله، فتلقى طعنة بدوره، فانطلق أخوه الآخر وابن عمه مهاجمين، فأصيبا أيضا بالسهام، وانكفأوا بأجمعهم على وجوههم، ولاذ الباقون بالفرار.
ولم يكن لدى المغل والمسلمين علم بأمر القتلى، فأسرعوا إليهم لكي يأخذوا سلاحهم وسلبهم، فلما أقاموا أحدهم وجدوه «محمد بك»، ثم وجدو أخويه وكان الرابع ابن عمه. فحزوا رؤوسهم في الحال وحملوها إلى خدمة السلطان والصاحب.
وحين علم الناس بذلك أبدى الجميع دهشتهم للسرعة والسهولة التي انطفأت بها شعلة دولة «الجمري» بسبب مقتل محمد بك. وفي اليوم التالي غسلوا الرؤوس/ ومشطوا اللحى، ثم رفعوها وطافوا بها حول قلاع الأرمن- وكانت تلك القلاع قد أعلنت العصيان تأييدا لهم. وتوجه السلطان والصاحب PageV01P404 # إلى شاطئ البحر، وجعلوا كل من وجوده علفا للسيف دون إبطاء، وقفلوا راجعين بالأموال والغنائم.