وحمل «نصرة الدين ولد قيماز» و «فلك الدين خليل» مرة أو اثنتين، فثبت جند السلطان. وفي المرة الثالثة حمل هؤلاء الجند وانشغلوا بالقتال، وشن «علي بهادر» - وكان في الميسرة- حملة عليهم فقوض صفوفهم، وأوقع بهم هزيمة منكرة. وفي تلك الأثناء انزلق حصان «نصرة الدين»، فقبضوا عليه، PageV01P341 # بينما ولى «فلك الدين خليل» الأدبار منهزما، أما «صمصام الدين» فقد عثر عليه «ولد قريش»، فأصابه بجرح، وأتى به إلى خدمة السلطان، فقضى أخوال السلطان عليه هو و «نصرة الدين» في الحال.
واتجه السلطان ركن الدين إلى «دولو» معتزما اللحاق «بسيس»، فأمسك به التركمان في أول مرحلة من مراحل الطريق، وأبلغوا السلطنة بذلك. فذهب «أرسلان دغمش» إلى هناك، وهدأ خواطره بالمواثيق والأيمان، وأتى به إلى قيصرية. فخف السلطان عز الدين لاستقباله، فلما اقتربا تعانقا، وبكى ركن الدين وقال: ما كانت هذه الواقعة إلا بسبب سواد رأى «نصرت» و «صمصام»، وقد وجدا جزاء الكفران، ويجب على أخي العزيز ألا يشوش خاطره/ الشريف.
وعلى هذا النحو سارا وهما يتحدثان متوجهين إلى جوسق «كيخسروية».
ومنح السلطان ركن الدين خلعة ثمينة وحصانا أحكم قيده وذهبا كثيرا، وخيره بين الإقامة في «برغلو» و «أماسية»، فاختار السلطان «أماسية»، فحملوه إليها مزودا بحشد وزاد، فلبث هناك مدة، وصار يتأذى من سوء الجو هناك، فأرسل إلى السلطان حتى نقلوه من «أماسية» إلى «برغلو»، وهيأوا له أسباب الراحة والرفاهية.
*** PageV01P342
ذكر سبب توغل «بايجو» في بلاد الروم للمرة الثانية والحوادث التي حدثت فى تلك الأيام
حين جلس الصاحب القاضي عز الدين على دست الوزارة وأمسك بمقاليد أحكام المملكة بقبضة الاستقلال، ورأى رسل القائد المغولي «بايجو» وغيره من القادة يترددون على الدوام إلى بلاد الروم، وأن خزائن لا حصر لها يجرى صرفها للإنفاق عليهم، رأى الصاحب هو و «قراطاي» وسائر الأمراء أن يتم عرض هذا المعنى على حضرة [منكو خان] (¬1)، لكي يصدر من قبله مرسوم ملكي لمنع تسلطات «بايجو» وتهوره (¬2).
وتم لهم اختيار الصاحب فخر الدين علي- وكان في ذلك الوقت مسموع الكلمة والحكم في البلاد، وهو حينذاك أمير العدل- لإبلاغ هذه الرسالة، ودفعوا له من الخزانة مائة ألف درهم- بخلاف التحف- كنفقة للطريق. فلما وصل إلى تلك الأعتاب، وعرض المطالب، وبين أن السلطان معهم على قلب رجل واحد، أبدى الخان تعاطفه، وأصدر مرسوما وسكة بمنع رسل «بايجو نوين» وسائر الأمراء من التردد على سلطنة الروم، وحال دون إتمام التعداد السكاني/ الذى كان قد عهد بإنجازه إلى «شمس الدين القزويني» وأعاد الرسول في صحبة وفد من المبعوثين وكبار رجال البلاط الخاني.
فلما وصلوا إلى «بايجو»، وأسمعوه الحكم، التفت إلى فخر الدين علي وقال: أكان ينبغي بعد ذلك كله أن توضع ثغرة تحول بيني وبين الإشراف على PageV01P343 # بلاد الروم، لكن حرماني سيعود بالشؤم عليكم.
وأخذ مبعوثو «بايجو» بعد ذلك في التناقص (¬1) وإن جاء بعضهم أحيانا فقلما يجد عناية واهتماما. وكان السلطان مشغولا بالتنعم وإجراء أحكام الشباب، وتمكن الصاحب القاضي «عز الدين» في مسند الحكم، ونعمت البلاد بالاستقرار. وكان تردد رسل دار الخلافة والموصل وماردين والروم والفرنج على حضرة السلطنة مزودين بالأحمال والتحف مستمرا. غير أن قلقا هائلا وهما مقيما كان يثقل على خاطر أمراء الدولة من جهة هيمنة «الأغاجريين» الذين ظهروا في صحراء «مرعش» وأدغالها، وكانوا يقطعون الطرق ويقتلون القوافل، ويغيرون على بلاد الروم والشام والأرمن.