ذكر اهتمام السلطان بانتزاع ملك «ميافارقين» من قبضة تملك «الملك الغازي» بسبب نشر مظلة الفتح
لما دانت البلاد والممالك- التي كان يقصدها ويتمناها السلطان علاء الدين- لغياث الدين، وامتثل أصعب الملوك قيادا لحكمه حملته نخوة الاستعلاء على أن ينشر الراية المنصورة، تشبها بأعمامه الكرام [الذين كانوا سلاطين العصر وقادة الدهر] (¬1).
ولأن سلاطين الروم قد اصطلحوا على أنهم طالما لم يصبحوا مالكين لملك ميافارقين ولم يغدوا قاهرين للطغاة المردة في تلك الديار، فلا بد لمظلتهم أن تبقى مغلقة أبدا. ومن ثم دعا العساكر إلى قيصرية المحروسة، واستنجد بصاحب «حلب» وملوك «الموصل» و «ماردين» و «الجزيرة».
وكان الملك الغازي قد علم بالأمر قبل ذلك فنهض لتداركه بما له من بصيرة ثاقبة، فدعا إليه الخوارزميين الذين خلصوا إلى «بغداد» بعد معركة «رأس العين» ولاذوا بحمى «المستنصر بالله» /، وكان زعيمهم ابن أخت السلطان جلال الدين وكان قد انضم إليهم قادما من «شيراز» بقوات شرفية، كما استدرج الغازي أتراك الكرميانية (¬2) بالمال والآمال إلى قيد طاعته. وأتم الاحتياط للخندق والسور والمجانيق والعرادات، واستعد للقتال.
وحين وصلت عساكر الروم إلى تخوم «آمد» وحدودها وانضم إليهم جند الشام بقيادة «الملك المعظم»، توجهوا صوب «ميافارقين» تنفيذا للحكم. فلما PageV01P276 # بلغوها نزلوا حول المدينة وكانت المناوشات تقع بين الطرفين كل يوم. وهطلت أمطار غزيرة، فأغرق السيل خيام جند الروم والشام، وأخذوا يتساقطون في الأوحال.
وذات يوم أعد الملك الغازي الصفوف، وعزم على الحرب، وركب عساكر الروم، وأبلغ عساكر الشام، [فلبسوا سلاح الحرب جميعا، وجاءوا إلى المعركة، وانضموا إلى عساكر السلطان] (¬1)، كان الخوارزميون في الجهة اليمنى فأزاحوا الجبهة اليسرى من عساكر الروم- وكانت من ولاية دانشمند- وألجأوهم إلى الخيام. وبسبب الصدمة التي ألحقها جند الموصل وملطية- وكانوا يمثلون ميمنة جيش السلطان- تراجعت ميمنتهم من الأتراك والكرميانية حتى حافة الخندق، فجرت الدماء سيولا بدل الماء.
وفي تلك الأثناء انطلق من قلب جيش الغازي صوب الروميين شخص بفرسه ومعه سلاح ثقيل ويمسك بيده رمحا مستقيما (¬2)، فبرز له رجل يقال له «دمرتاش» وهو غلام «ظهير الدين الترجمان»، وأطاح به من فوق الحصان بضربة واحدة. وفي التو أسرع فارس من جيش الغازي وأعان ذلك الشخص على ركوب الحصان، وبقي هو واقفا، فأجلسه «دمرتاش» على كفل الحصان، وأتى به إلى «الملك المعظم» و «چاولى» في قلب الجيش، فأراد الملك المعظم أن يتسلمه (¬3) /، قال «مبارز الدين» إنه فداء للملك. وفي الحال أعطاه الملك المعظم تشريفة PageV01P277 # وسمح له بالركوب، ثم أجلسه إلى جانبه، وسأله عن أحواله بحرارة ومودة (¬1)، وسمح له بالانصراف نحو معسكر الملك الغازي.
وما إن بلغ معسكر الغازي راكبا حتى عادت جند الخوارزمية إلى الخيام، وهدأت نار الحرب. وبعد فترة من الوقت جاء القاضي وعدد من الأكابر من قبل الملك الغازي. وفي تلك الأثناء حين استفسر من الملك المعظم عن أمر الفارس الذي سقط على الأرض، والأسير الذي وقع بيد «دمرداش»، تبين أن من سقط على الأرض كان هو الملك الغازي، ومن أسر كان «أستاذ الدار» (¬2) عنده (¬3).