أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار
يقول السائل: ما قولكم فيمن يفتون في دين الله بغير علم ولا هدى؟
الجواب: كثر المجترئون من طلبة العلم الشرعي وغيرهم على الإفتاء في دين الله سبحانه وتعالى، ويظنون أن الأمر هين، وهو عند الله عظيم، وكثر الخائضون في دين الله بغير علم، حتى إنك إذا جلست في
مجلس وطرحت مسألة شرعية، ترى كثيرا من الجالسين يدلون برأيهم من غير أن يطلب منهم، ويعضهم قد لا يحسن الوضوء.
وصار دين الله وشرعه مع الأسف الشديد حمى مستباحا لأشباه المتعلمين، وظن كثير من طلبة العلم الشرعي، أنهم بمجرد حصولهم على الشهادة الجامعية الأولى يحق لهم الإفتاء في دين الله، وما دروا أن شهادة (البكالوريوس) في الشريعة الإسلامية في زماننا هذا، تعني محو أمية في العلوم الشرعية فقط، هذا إذا وزناها بالميزان الصحيح ولا يشذ عن هذا إلا القليل جدا.
وإلى المجترئين على الفتوى في أيامنا هذه، أسوق بعض كلام أهل العلم في الفتيا لعل أحدهم يعرف قدره وحده فيقف عنده فلا يتجاوزه.
قال العلامة ابن القيم في بيان الشروط التي تجب فيمن يبلغ عن الله ورسوله: " ولما كان التبليغ عن الله سبحانه وتعالى يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالما بما يبلغ صادقا فيه ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، ويتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، فقال تعالى: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب) سورة النساء /127، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفا وجلالة إذ يقول في كتابه: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) سورة النساء /176، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غدا وموقوف بين يدي الله " إعلام الموقعين عن رب العالمين 1/ 11.
ولكن كثيرا من المجترئين على الفتوى لا يفهم هذا الكلام لا من قريب ولا من بعيد، والمهم عندهم أن يظهروا أمام العامة بمختلف الوسائل ليشار إليهم بالبنان، فيجيبوا عن كل مسألة توجه لهم ولا يعرفون قول (لا أدري)، لأنهم يعتبرون ذلك عارا وشنارا
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل
لأن الناس يصفونهم بالجهل إن فعلوا ذلك، وما دروا أن سلفنا الصالح كانوا يحرصون على قول لا أدري، كحرص هؤلاء المتعالمين على الإجابة، وقديما قال العلماء: " لا أدري نصف العلم "، قال ابن أبي ليلى: " أدركت مئة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وما منهم أحد يحدث بحديث أو يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه.
وقال عمر بن الخطاب: " أجرؤكم على الفتيا، أجرؤكم على النار.