ويفأد التقديم في جميع ذلك4 وراء التخصيص5 اهتماما بشأن المقدم6، ولهذا قدر المحذوف في قوله "باسم الله" مؤخرا7 وأورد قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك} ، فإن الفعل فيه مقدم8، وأجيب بأن تقديم الفعل هناك أهم؛ لأنها أول سورة. PageV02P165
نزلت1، وأجاب السكاكي بأن باسم ربك متعلق باقرأ الثاني2، ومعنى الأول3 افعل القراءة وأوجدها على نحو ما تقدم في قولهم فلان يعطي ويمنع يعني إذالم يحمل على العموم وهو بعيد. PageV02P166
تقديم بعض معمولات الفعل على بعض
1:
وأما تقديم بعض معمولاته على بعض: فهو إما؛ لأن أصله2، التقديم3 ولا مقتضى للعدول عنه4 كتقديم الفاعل على المفعول نحو ضرب زيد عمرا، وتقديم المفعول الأول على الثاني نحو أعطيت زيدا درهما5 وإما؛ لأن ذكره أهم والعناية به أتم6، فيقدم المفعول PageV02P166
على الفاعل إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل على من وقع عليه لا وقوعه ممن وقع منه، كما إذا خرج رجل على السلطان وعاث في البلاد وكثر منه الأذى فقتل وأردت أن تخبر بقتله فتقول "قتل الخارجي فلان"، إذ ليس للناس فائدة في أن يعرفوا قاتله وإنما الذي يريدون علمه هو وقوع القتل به ليخلصوا من شره، ويقدم الفاعل على المفعول إذا كان الغرض معرفة وقوع الفعل ممن وقع منه لا وقوعه على من وقع عليه كما إذا كان رجل ليس له بأس ولا يقدر فيه أن يقتل فقتل رجلا وأردت أن تخبر بذلك فتقول: "قتل فلان رجلا" بتقديم القاتل؛ لأن الذي يعني الناس من شأن هذا القتل ندوره وبعده من الظن ومعلوم أنه لم يكن نادرا ولا بعيدا من حيث كان واقعا على من وقع عليه بل من حيث كان واقعا ممن وقع منه. وعليه قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم} ، قدم المخاطبين في الأولى دون الثانية؛ لأن الخطاب في الأولى للفقراء بدليل قوله تعالى من إملاق فكان رزقهم أهم عندهم من رزق أولادهم، فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، والخطاب في الثانية للأغنياء بدليل قوله خشية إملاق فإن الخشية إنما تكون مما لم يقع. فكان رزق أولادهم هو هو المطلوب دون رزقهم؛ لأنه حاصل، فكان أهم، فقدم الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم.
وإما؛ لأن في التأخير إخلالا:
ببيان المعنى كقوله تعالى: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} ، فإنه لو أخر {من آل فرعون} عن {يكتم إيمانه} لتوهم أن "من" متعلقة ب {يكتم} ، فلم يفهم أن الرجل من آل فرعون1. PageV02P167
أو بالتناسب كرعاية الفاصلة نحو: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} 1.
وإما لاعتبار آخر مناسب2.
وقسم السكاكي التقديم للعناية مطلقا3 قسمين: أحدهما أن يكون أصل ما قدم في الكلام هو التقديم ولا مقتضى للعدول عنه، كالمبتدأ المعرف فإن أصله التقديم على الخبر نحو زيد عارف، وكذا الحال المعرف فإن أصله التقديم على الحال نحو جاء زيد راكبا وكالعامل فإن أصله التقديم على معموله نحو عرف زيد عمرا وكان زيد عارفا وإن زيدا عارف، وكالفاعل فإن أصله التقديم على المفعولات وما يشبهها من الحال والتمييز نحو ضرب زيد الجاني بالسوط يوم الجمعة أمام بكر ضربا شديدا تأديبا له ممتلئا من الغضب، وامتلأ الإناء ماء، وكالذي يكون في حكم المبتدأ من مفعولي باب "علمت" نحو علمت زيدا منطلقا، أو في حكم الفاعل من مفعولي باب أعطيت وكسوت نحو أعطيت زيدا درهما وكسوت عمرا جبة، وكالمفعول المتعدي إليه بغير واسطة فإن أصله التقديم على المتعدي إليه بواسطة نحو ضربت الجاني بالسوط وكالتوابع فإن أصلها أن تذكر بعد المتبوعات.