كناية عن رؤية محاسنه وآثاره، ومطلق السماع كناية عن سماع أخباره، وكقول عمرو بن معد يكرب1:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت2
لأن غرضه أن يثبت أنه كان من الرماح أجرار وحبس للألسن عن النطق بمدحهم والافتخار بهم حتى يلزم منه بطريق الكناية مطلوبه وهو أنها أجرته. وكقول طفيل الغنوي لبني جعفر بن كلاب. PageV02P151
جزى لله عنا جعفرا حين أزلفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لاقوه منا لملت
هم خلطونا بالنفوس وألجأوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت
فإن الأصل لملتنا وأدفأتنا وأظلتنا إلا أنه حذف المفعول من هذه المواضع ليدل على مطلوبه بطريق الكناية1، فإن قلت لا شك أن قوله "ألجأوا" أصله "ألجأونا" فلأي معنى حذف المفعول منه؟ قلت PageV02P152
الظاهر أن حذفه لمجرد الاختصار؛ لأن حكمه حكم ما عطف عليه وهو قوله خلطونا1.
الضرب الثاني: أن يكون الغرض إفادة تعلقه بمفعول2 فيجب PageV02P153
تقديره بحسب القرائن 1:
حذف المفعول
ثم حذفه من اللفظ:
(1) إما للبيان بعد الإبهام كما في فعل المشيئة2 إذا لم يكن في تعلقه بمفعوله غرابة. كقولك: لو شئت جئت أو لم أجئ، أي لو شئت المجيء أو عدم المجيء، فإنك متى قلت "لو شئت" علم السامع أنك علقت المشيئة بشيء، فيقع في نفسه أن هنا شيئا تعلقت به مشيئتك بأن يكون أو لا يكون، فإذا قلت: "جئت أو لم أجئ" عرف ذلك الشيء. ومنه قوله تعالى: {فلو شاء لهداكم أجمعين} وقوله تعالى: {فإن يشأ الله يختم على قلبك} ، وقوله تعالى: {من يشأ الله يضلله} وقول طرفة:
فإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوى من القد محصد3 PageV02P154
وقال البحتري:
لو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فحللت بين عقيقة وزروده1
وقوله:
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد2
فإن كان في تعليق الفعل به غرابة ذكرت المفعول لتقرره في نفس السامع وتؤنسه به، يقول الرجل يخبر عن عزه لو شئت أن أرد على الأمير رددت وإن شئت أن ألقى الخليفة كل يوم لقيته، وعليه قول الشاعر3:
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
فأما قول أبي الحسين علي بن أحمد الجوهري أحد شعراء الصاحب بن عباد:
فلم يبق مني الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا4
فليس منه5؛ لأنه لم يرد أن يقول فلو شئت أن أبكي تفكرا PageV02P155
بكيت تفكرا، ولكنه أراد أن يقول أفناني النحول فلم يبق مني وفي غير خواطر تجول، وحتى لو شئت البكاء فمريت جفوني وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم أجده، ولخرج منها بدل الدمع التفكر، فالمراد بالبكاء في الأول الحقيقي وفي الثاني غير الحقيقي1، فالثاني لا يصلح؛ لأن يكون تفسيرا للأول.
(2) وإما لدفع أن يتوهم السامع في أول الأمر إرادة شيء غير المراد كقول البحتري:
وكم ذدت2 عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم
إذ لو قال حززن اللحم لجاز أن يتوهم السامع قبل ذكر ما بعده أن الحز كان في بعض اللحم ولم ينته إلى العظم، فترك ذكر اللحم PageV02P156
ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم.
(3) وأما؛ لأنه أريد ذكره ثانيا على وجه يتضمن إيقاع الفعل1 على صريح لفظه2، إظهارا لكمال العناية بوقوعه3 عليه كقول البحتري أيضا في مدح المعتز بالله: