تأخير المسند
وأما تأخيره: فلأن ذكر المسند إليه أهم كما سبق.
وإما للتنبيه من أول الأمر على أنه1 خبر لا نعت2 كقوله3:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
وقوله تعالى: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} [الأعراف: 24] .
وإما للتفاؤل4.
وإما للتشويق إلى ذكر المسند5 إليه كقوله6:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر.
وقوله:
وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان
قال السكاكي رحمه الله: وحق هذا الاعتبار تطويل الكلام في المسند وإلا لم يحسن ذلك الحسن. PageV02P136
تنبيه:
كثير مما في الباب1 والذي قبله2 غير مختص بالمسند إليه والمسند، كالذكر والحذف وغيرهما3 مما تقدمت أمثلته، والفطن إذا أتقن اعتبار ذلك فيهما4 لا يخفى عليه اعتباره في غيرهما5. PageV02P137
القول في متعلقات أحوال الفعل
مدخل
...
القول في متعلقات أحوال الفعل:
حال الفعل مع المفعول1 كحاله مع الفاعل، فكما أنك إذا أسندت الفعل إلى الفاعل كان غرضك أن تفيد وقوعه منه لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، كذلك إذا عديته إلى المفعول كان غرضك أن تفيد وقوعه عليه لا أن تفيد وجوده في نفسه فقط، فقد اجتمع الفاعل والمفعول في أن عمل الفعل فيهما إنما كان ليعلم التباسه بهما2، PageV02P138
فعمل الرفع في الفاعل ليعلم التباسه به من جهة وقوعه منه، والنصب في المفعول ليعلم التباسه به من جهة وقوعه عليه. أما إذا أريد الأخبار بوقوعه في نفسه من غير إرادة أن يعمل ممن وقع في نفسه أو على من وقع، فالعبارة عنه أن يقال كان ضرب أو وقع ضرب أو وجد أو نحو ذلك من ألفاظ تفيد الوجود المجرد1. وإذا تقرر هذا فنقول:
الفعل المتعدي إذا أسند إلى فاعله ولم يذكر له مفعول فهو على ضربين:
الأول: أن يكون الغرض إثبات المعنى في نفسه للفاعل على الإطلاق أو نفيه عنه كذلك، وقولنا: "على الإطلاق" أي من غير اعتبار عمومه PageV02P139
وخصوصه ولا اعتبار تعلقه بمن وقع عليه1، فيكون المتعدي حينئذ بمنزلة اللازم، فلا يذكر له مفعول، لئلا يتوهم السامع أن الغرض الإخبار به باعتبار تعلقه بالمفعول، ولا يقدر أيضا؛ لأن المقدر في حكم المذكور2. PageV02P140
()
()
()
()
وهذا الضرب قسمان:
(1) لأنه إما أن يجعل الفعل مطلقا1 كناية2 عن الفعل متعلف بمفعول مخصوص دلت عليه قرينة3. PageV02P145
(2) أو لا1. PageV02P146
الثاني: كقول تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9] ، أي من يحدث له معنى العلم ومن لا يحدث. PageV02P147
قال السكاكي1: ثم إذا كان المقام خطابيا2 لا استدلاليا، أفاد2 العموم في أفراد الفعل، بعلة إيهام أن القصد إلى فرد دون مفرد آخر مع تحقق الحقيقة فيهما تحكم، ثم جعل قولهم في المبالغة PageV02P148
"فلان يعطي ويمنع ويصل ويقطع" محتملا لذلك ولتعميم المفعول كما سيأتي، وعده الشيخ عبد القاهر مما يفيد أصل المعنى على الإطلاق من غير إشعار بشيء من ذلك.
والأول1 كقول البحتري يمدح المعتز بالله ويعرض بالمستعين بالله:
شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واعي2 PageV02P149
أي أن يكون ذو رؤية وذو سمع. يقول: محاسن الممدوح وآثاره لم تخف على من له بصر لكثرتها واشتهارها، ويكفي في معرفة أنها سبب استحقاقه الإمامة دون غيره أن يقع عليها بصر ويعيها سمع لظهور دلالتها على ذلك لكل أحد، فحساده وأعداؤه يتمنون أن لا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها وأذن يسمع بها كي يخفى استحقاقه للإمامة فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها. فجعل كما ترى مطلق الرؤية PageV02P150