مثلك يثني المزن عن صوبه ... ويسترد الدمع من غربه1
وكذا قول القبعثري للحجاج لما توعده بقوله "لأحملنك على الأدهم": مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب أي من كان على هذه الصفة من السلطان وبسطة اليد ولم يقصد أن يجعل أحدا مثله2:
وكذلك حكم غير إذا سلك به هذا المسلك3، فقيل "غيري يفعل ذاك" على معنى أني لا أفعله فقط من غير إرادة التعريض بإنسان.. وعليه قوله:4.
غير بأكثر هذا الناس ينخدع ... "إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا".
فإنه معلوم أنه لم يرد أن يعرض بواحد هناك فيصفه بأنه ينخدع بل أراد أنه ليس ممن ينخدع. وكذلك قول أبي تمام: PageV02P072
وغيري يأكل المعروف سحتا ... وتشحب عنده بيض الأيادي1
فإنه لم يرد أن يعرض بشاعر سواه فيزعم أن الذي قرف2 به عند الممدوح من أنه هجاه كان من ذلك الشاعر لا منه، بل أراد أن ينفي عن نفسه أن يكون ممن يكفر النعمة ويلؤم لا غير.
واستعمال "مثل" و"غير" هكذا مركوز في الطباع، وإذا تصفحت الكلام وحدتهما يقدمان أبدا على الفعل إذا نحى بهما نحو ما ذكرناه، ولا يستقيم المعنى فيهما إذالم يقدما.
والسر في ذلك أن تقديمهما يفيد تقوي الحكم به كما سبق تقريره، وسيأتي3 أن المطلوب بالكناية في قولنا "مثلك لا يبخل" و"غيرك لا يجود" هو الحكم وأن الكناية أبلغ من التصريح فيما قصد بها، فكان تقديمها أعون للمعنى الذي جلبا لأجله. PageV02P073
موضع آخر من مواضع تقديم المسند إليه
قيل وقد يقدم؛ لأنه دال على العموم، كما تقول كل إنسان لم يقم1، فيقدم ليفيد نفي القيام عن كل واحد من الناس؛ لأن2 PageV02P073
الموجبة المعدولة المهملة1 في قوة السالبة الجزئية المستلزمة نفي الحكم عن جملة الأفراد دون كل واحد منها، فإذا سورت ب"كل" وجب أن تكون لإفادة العموم لا لتأكيد نفي الحكم عن جملة الأفراد؛ لأن التأسيس خير من التأكيد.
ولو لم تقدم فقلت: "لم يقم كل إنسان" كان نفيا للقيام عن جملة الأفراد دون كل واحد منها؛ لأن السالبة المهملة2 في قوة السالبة الكلية المقتضية سلب الحكم عن كل فرد لورود موضوعها3 في سياق النفي4. فإذا سورت5 بكل وجب أن تكون لإفادة نفي PageV02P074
الحكم عن جملة الأفراد، لئلا يلزم تجريح التأكيد على التأسيس. وفيه نظر1:
(1) لأن النفي عن جملة الأفراد في الصورة الأولى -أعني الموجبة المعدولة المهملة كقولنا إنسان لم يقم- وعن كل فرد في الصورة الثانية -أعني السالبة المهملة كقولنا لم يقم إنسان- إنما أفاده الإسناد إلى إنسان، فإذا أضيف كل إلى إنسان وحول الإسناد إليه، فأفاد في الصورة الأولى نفي الحكم عن جملة الأفراد وفي الثانية نفيه عن كل فرد منها، كان كل تأسيسا لا تأكيدا3؛ لأن التأكيد لفظ يفيد تقوية ما يفيده لفظ آخر4 وما نحن فيه ليس كذلك. PageV02P075
(2) ولئن سلمنا أنه يسمى تأكيدا "فقولنا لم يقم إنسان" إذا كان مفيدا للنفي عن كل فرد كان مفيدا للنفي عن جملة الأفراد لا محالة فيكون "كل" في "لم يقم كل إنسان" إذا جعل مفيدا للنفي عن جملة الأفراد تأكيدا لا تأسيسا 1 كما قال في "كل إنسان لم يقم" فلا يلزم من جعله للنفي عن كل فرد ترجيح التأكيد على التأسيس2.
(3) ثم جعله قولنا "لم يقم إنسان" سالبة مهملة في قوة سالبة كلية مع القول بعموم موضوعها لوروده نكرة في سياق النفي خطأ؛ لأن النكرة في سياق النفي إذا كانت للعموم كانت القضية التي جعلت هي موضوعا لها سالبة كلية، فكيف تكون سالبة مهملة3؟ ولو قال: لو لم يكن الكلام المشتمل على كلمة كل مفيدا لخلاف ما يفيده الخالي عنها لم يكن في الاتيان بها فائدة، لثبت مطلوبه في الصورة الثانية دون الأولى، لجواز أن يقال فائدته فيها الدلالة على نفي الحكم عن جملة الأفراد بالمطابقة PageV02P076