القول في الإيجاز والإطناب والمساواة
تعريفه
...
القول في الإيجاز والإطناب والمساواة 1:
"تعريف السكاكي":
قال السكاكي2:
أما الإيجاز والإطناب3 فلكونهما نسبيين4 لا يتيسر الكلام PageV03P169
فيهما إلا بترك التحقيق1 والبناء على شيء عرفي2، مثل جعل كلام الأوساط على مجرى متعارفهم في التأدية للمعاني فيما بينهم.
ولا بد من الاعتراف بذلك مقيسا عليه ولنسمه متعارف الأوساط3. PageV03P170
وأنه في باب البلاغة لا يحمد منهم1 ولا يذم2. فالإيجاز هو أداء المقصود من الكلام بأقل من عبارات3 متعارف الأوساط. والإطناب هو أداؤه بأكثر من عباراته. سواء كانت القلة أو الكثرة راجعة إلى الجمل أو إلى غير الجمل4. ثم قال5، الاختصار6 لكونه من الأمور النسبية يرجع في بيان دعواه7 إلى ما سبق تارة8 وإلى كون المقام9 خليقا بأبسط مما ذكر10. PageV03P171
وفيه نظر1:
(1) لأن كون الشيء نسبيا لا يقتضي أن لا يتيسر الكلام فيه إلا بترك التحقيق والبناء على شيء عرفي2.
(2) ثم البناء على: متعارف الأوساط. والبسط الذي يكون المقصود جديرا به3. رد إلى جهالة4 فكيف يصلح للتعريف. PageV03P172
"تعريف الخطيب":
والأقرب1 أن يقال:
المقبول من طرق التعبير عن المعنى هو تأدية أصل المراد2 بلفظ مساو2 له أو ناقص4 عنه واف5 أو زائد عليه6، لفائدة7 والمرد بالمساواة أن يكون اللفظ بمقدار أصل المراد لا ناقصا عنه بحذف أو غيره كما سيأتي ولا زائدا عليه بنحو تكرير أو تتميم أو اعتراض PageV03P173
كما سيأتي1 وقولنا واف احتراز عن الإخلال. وهو أن يكون اللفظ قاصرا عن أداء المعنى2 كقول عروة بن الورد3:
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا
فإنه أراد إذ يقتلون نفوسهم في السلم.
وقول الحارث بن حلزة:
والعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا4
فإنه أراد5 العيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل. الحل كما ترى.
وقولنا "الفائدة" احتراز عن شيئين: PageV03P174
أحدهما: التطويل1 وهو أن لا يتعين الزائدة في الكلام كقوله2:
"وقددت الأديم لراهشيه" ... وألفى قولها كذبا3 ومينا
فإن الكذب والمين واحد4.
وثانيهما: ما يشتمل على الحشو. والحشو ما يتعين أنه الزائد5 وهو ضربان:
أحدهما ما يفسد المعنى كقول أبي الطيب:
ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب6 PageV03P175
فإن لفظ الندى فيه حشو يفسد المعنى؛ لأن المعنى أنه لا فضل في الدنيا للشجاعة والصبر والندى لولا الموت. وهذا الحكم صحيح في الشجاعة1 دون الندى؛ لأن الشجاع لو علم أن يخلد في الدنيالم يخش الهلاك في الإقدام فلم يكن لشجاعته فضل2 بخلاف الباذل ما له، فإنه إذا علم أنه يموت هان عليه بذله. ولهذا يقول إذا عوتب فيه: كيف لا أبذل ما لا أبقى له؟ أنى أثق بالتمتع بهذا المال. وعليه قوله طرفة:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فذرني أبادرها بما ملكت يدي
وقول مهيار:
فكل إن أكلت وأطعم أخاك ... فلا الزاد يبقى ولا الآكل
فلو علم أنه يخلد ثم جاد بماله كان جوده أفضل. فالشجاعة لولا الموت لم تحمد والندى بالضد.
وأجيب عنه: بأن المراد بالندى في البيت بذل النفس لا بذل المال. PageV03P176
كما قال مسلم بن الوليد "يمدح داود بن حاتم المهلبي":