ولكن ذلك كله مضى، وسيمضي العمر، ويذهب الجاه والمال، كما ذهب الشباب، وينسى الناس كل ما عملت، وعمل غيري، ولا يبقى الا الذي يحمله معه العبد الى آخرته، هذا وحده الذي يبقى وكل ما سواه الى زوال. PageV01P011
فيا رب لا تجعل عملي يذهب سدى، واكتب لي بفضلك ورحمتك بعض الثواب عليه. اللهم اجعل ما كتبت وما خطبت من العلم النافع الذي لا ينقطع بانقطاع العمر.
اللهم اني استغفرك، وأتوب إليك
وأسألك حسن الخاتمة، والوفاة على الإيمان
مكة المكرمة (اجياد): 23 جمادى الأول 1394 ه
علي الطنطاوي PageV01P012
بين يدي الكتاب
فأي الطريقين تسلك؟
هذه خواطر قدمتها بين يدي الكتاب، وأعددت بها للقارئ الجو الذي يعينه على الدخول فيه.
اذا كنت مسافرا وحدك فرأيت أمامك مفرق طريقين. طريقا صعبا صاعدا في الجبل، وطريقا سهلا منحدرا إلى السهل. الاول فيه وعورة، وحجارة منثورة، وأشواك وحفر، يصعب تسلقه، ويتعسر السير فيه، ولكن أمامه لوحة نصبتها الحكومة، فيها: ان هذا الطريق على وعورة أوله، وصعوبة سلوكه، هو الطريق الصحيح، الذي يوصل إلى المدينة الكبيرة، والغاية المقصودة.
والثاني معبد، تظلله الأشجار ذوات الأزهار والثمار، وعلى جانبيه المقاهي (¬1) والملاهي، فيها كل ما يلذ القلب، ويسر العين، ويشنف (¬2) الاذن. ولكن عليه لوحة فيها: انه طريق خطر مهلك، آخره هوة فيها الموت المحقق، والهلاك الأكيد.
فأي الطريقين تسلك؟
لا شك ان النفس تميل إلى السهل دون الصعب، واللذيذ دون المؤلم، وتحب الانطلاق وتكره القيود، هذه فطرة فطرها الله عليها، ولو ترك الانسان نفسه وهواها، وانقاد لها، سلك الطريق الثاني، ولكن العقل يتدخل، ويوازن بين اللذة القصيرة الحاضرة يعقبها ألم طويل، والألم العارض المؤقت تكون بعده لذة باقية، فيؤثر الاول. PageV01P013
هذا هو مثال طريق الجنة، وطريق النار ..
طريق النار فيه كل ما هو لذيذ ممتع، تميل اليه النفس، بدفع اليه الهوى. فيه النظر إلى الجمال ومفاتنه، فيه الاستجابة للشهوة ولذاتها، فيه أخذ المال من كل طريق، والمال محبوب مرغوب فيه، وفيه الانطلاق والتحرر، والنفوس تحب الحرية والانطلاق، وتكره القيود.
وطريق الجنة فيه المشقات والصعاب. فيه القيود والحدود، فيه مخالفة النفس، ومجانبة الهوى. ولكن عاقبة هذه المشقة المؤقتة في هذا الطريق، اللذة الدائمة في الآخرة، وثمرة اللذة العارضة في طريق النار، الألم المستمر في جهنم. كالتلميذ ليالي الامتحان يتألم حين يترك أهله عاكفين على الراني (¬1)، يشاهدون ما يسر ويمتع، وينفرد هو بكتبه ودفاتره، فيجد بعد هذا الألم لذة النجاح. وكالمريض يصبر أياما على ألم الحمية عن أطايب الطعام فينال بعدها سعادة الصحة.
وضع الله الطريقين أمامنا، ووضع فينا ملكة نفرق بها بينهما، نعرف بها الخير من الشر سواء في ذلك العالم والجاهل، والكبير والصغير. كل منهم يستريح ضميره اذا عمل الخير، وينزعج اذا أتى الشر. بل ان هذه الملكة موجودة حتى في الحيوان: القط اذا القيت اليه بقطعة اللحم أكلها أمامك، متمهلا مطمئنا، واذا خطفها ذهب بها بعيدا، فأكلها على عجل، وعينه عليك يخاف أن تلحق به، فتنزعها منه، أفليس معنى هذا أنه أدرك ان اللقمة الاولى حق له، والثانية عدوان منه؟.