قصة هذا الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
في صدر الطبعات السابقة، فصل عنوانه (قصة هذا الكتاب) أعدت النظر فيه اليوم، فوجدت أني لم أسرد فيه القصة من أولها.
ولعل أول القصة كان أيام الحرب الأولى (حرب سنة 1914) وهي الأيام التي بلغت فيها سن التمييز، وأدركت ما يحيط بي، فوجدت في بيت أبي دروسا يلقيها على تلاميذه بعد الفجر، وقبل العشاء، وكانت دروسا تختلف عن دروس المدرسة التي كنت أذهب إليها، وكان التلاميذ فيها مشايخ بعمائم ولحى، لم يكونوا صغارا كتلاميذ المدرسة، فكنت أستمع اليها ولو لم أفهمها، كما أستمع الى دروس المدرسة. فكانت دراستي بذلك مزدوجة: درست في المدارس الى نهاية الجامعة، وكنت مع ذلك أتلقى العلم عن العلماء. عن أبي (الشيخ مصطفى الطنطاوي) أولا، وكان من صدور الفقهاء في الشام، وكان أمين الفتوى عند المفتي الشيخ أبي الخير عابدين، فلما توفي رحمه الله، في شعبان سنة 1343 هقرأت على غيره من العلماء (¬1) PageV01P005 فكنت أول من جمع في دمشق بين أسلوبي الدراسة، وكان العلماء يومئذ بين (شيخ) لا يعرف من علوم الدنيا الحديثة شيئا وبين (افندي) لا يفقه من علوم الدين شيئا، الا شيئا قليلا لا يغني ولا يجزي.
فتنبهت مبكرا الى ضرورة عرض الاسلام بأسلوب عصري وكتبت في ذلك مقالات، ونشرت رسائل، ذكرت منها من نحو خمسين سنة بعض الآراء التي أوردها اليوم، في هذا الكتاب. PageV01P006
ففي كتابي (الاصلاح الديني (¬1)) في الصفحة (11) منه، عند الكلام على ضرورة التدين، قلت ما نصه:
"هل يمكن للإنسان أن يعيش بلا دين؟
لا فرق بين هذا السؤال وبين قولك: هل يمكن للإنسان أن يعيش بالمادة وحدها، وينبذ كل ما وراءها حتى نفسه التي بين جنبيه، وحبه الذين يجيش به صدره، وشعوره بالطبيعة وجمالها، والطيور وتغريدها، والمقبرة ووحشتها؟ "
وبعد أن تحدثت عن عالم المثل الأفلاطونية، واستشهدت بأقوال (كانت) و(أوغست كونت) و(باستور) و(نيوتن) و(باسكال) و(مالبرانش) و(هارفي) و(غوليه) و(هوكسلي) ذلك لأني كنت حديث العهد بدراسة الفلسفة وكان مكتوبا على غلاف الكتاب (بقلم علي الطنطاوي بكالوريوس في الآداب وفي الفلسفة).
قلت بعد ذلك، في الرد على من يدعي أن هذا الكون وجد بالمصادفة، ما نصه: "اذا وضعنا في كيس أربع كرات بيضاء وواحدة حمراء، وسحبنا واحدة منها، كان احتمال خروج الحمراء واحدا من خمسة، واذا وضعنا تسعا بيضا وواحدة حمراء، كان واحدا من عشر، فلو وضعنا ما لا نهاية له (?) من البيض كان الاحتمال واحدا من لا نهاية، ولا يقول عاقل أن الحمراء تخرج حتما من السحب مرة أو مرتين أو مئة مرة.
وهذه الكواكب التي لا نهاية لها، ليس لها الا حالة واحدة، تجعلها تسير بهذا النظام، ويمتنع بينها الصدام، فكيف نقول ان هذه الحالة حصلت بالمصادفة من غير مسير حكيم عليم؟ ".
... PageV01P007
هذا ما قلته من نحو خمسين سنة في كتاب لي مطبوع موجود.
ثم صح العزم مني على إصدار كتاب في هذا الموضوع وجعلت عنوانه (لماذا أنا مسلم)، وأعددت فصوله وأعلنت عنه، ونشرت مقدمته في رسائل (سيف الاسلام) التي كنت أصدرها سنة 1349 ه (1930 م)، ولكن تعذر الطبع وضاعت الأصول ولم يصدر الكتاب.
ولما ذهبت الى العراق سنة (1936 م) مدرسا للأدب العربي في الثانوية المركزية في بغداد، وكلفت حينا بتدريس الدين، جعل الطلاب يسألونني عن كتاب واحد، يفهمون منه الاسلام، لا يريدون كتاب تجويد، ولا كتاب توحيد، ولا كتاب تفسير، ولا فقه ولا أصول، ولا حديث ولا مصطلح، بل كتابا في الاسلام، يعرضه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضه، على من يفد عليه من العرب (أو الأعراب) فيفهمونه في يوم واحد، أو في بعض يوم.