علي الطنطاوي
صور وخواطر
طبعة جديدة
راجعها وصححها وعلق عليها حفيد المؤلف
مجاهد مأمون ديرانية
دار المنار
للنشر والتوزيع PageV01P003 حقوق الطبع محفوظة
يمنع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر
الطبعة العاشرة
2011
دار المنار
للنشر والتوزيع
ص ب 1250 جدة 21431 المملكة العربية السعودية
هاتف 6603652 فاكس 6603238 المستودع 6675864 PageV01P004
مقدمة طبعة دار المنارة
بخط المؤلف رحمه الله
بسم الله وبحمده أصدر هذه الطبعة الجديدة من كتابي «صور وخواطر»؛ وأسأل الله أن يستمر طبعه وأن يدوم النفع به، وأن يكتب لي الثواب عليه وأن يجزي ناشره خيرا.
علي الطنطاوي
مكة المكرمة
غرة شوال 1408 PageV01P005
عام جديد
نشرت سنة 1966 (¬1)
لما قعدت أكتب هذا الفصل لم يكن في ذهني شيء عن الموضوع الذي أكتب فيه، ولكني نظرت في التقويم المعلق بالجدار فوجدت الموضوع؛ الموضوع أول المحرم.
أفيمر بكم أول المحرم كما يمر غيره من الأيام، وفي صبيحته ولد عام وفي ليلته قضى عام؟
يجتاز المسافر مرحلة من الطريق فيحط الرحال ويقف ليستريح، فيتلفت وراءه ليرى كم قطع وينظر أمامه ليبصر كم بقي. والتاجر تنتهي سنته، فيقيم موازينه ويحسب غلته ليعلم ماذا ربح وماذا خسر. وهذه «محطة» جديدة نقف فيها ونحن نسير على طريق الحياة، وسنة أخرى تمضي من العمر، أفلا نقف عليها ساعة نفكر ونذكر ونحسب ونعتبر؟ PageV01P007
نحن اليوم في أول المحرم من سنة ست وثمانين وثلاثمئة وألف، ننظر إليه في الفجر فنراه يوما طويلا يمتد أمامنا، نستطيع أن نعمل فيه ما نشاء، نستمتع فيه -إن أردنا- بدنيانا، ونحمله ما نريد حمله من الزاد إلى أخرانا، فإذا أمسى المساء وذهب اليوم لم نعد نستطيع أن نستفيد منه ولا أن نستمتع فيه. نظنه باقيا لنا، فنبذر في دقائقه كما يبذر المسرف في ماله، ونضيع ساعاته، ولكنا لا نجده حتى نفقده. إنه لا يكاد يبدأ حتى ينتهي، ثم يمضي فلا يعود أبدا.
اذكروا الآن أول يوم من المحرم سنة خمس وثمانين. لقد كنا نراه أيضا ونحن نستقبله طويلا، وكنا نقدر أن نصنع فيه خيرا كثيرا، فأين هو منا اليوم؟ وأين الأول من المحرم سنة أربع وثمانين؟ وأين أوائل المحرمات التي مرت بنا أو مررنا نحن بها من قبل؟ ماذا بقي منها في أيدينا؟
تمضي السنة وتجيء أخرى بعدها، فمن لم يعمل خيرا فيها عمله في التي تليها. إن فاتك عمل الخير في النهار فعندك الليل خلفة منه، فاعمل الخير فيه. مواسم متتابعة، إن أضعت الموسم فلم تزرع فيه فازرع في الذي يليه، وإن رسبت في الامتحان في دورة حزيران فعندك دورة أيلول.
هي خلفة لك ما بقيت حيا، ولكن هل تعلم كم تبقى حيا؟
* * *
ينقضي العام فتظن أنك عشته، وأنت في الحقيقة قد مته! لا تعجبوا من هذا المقال ودعوني أوضح الفكرة بالمثال: أنت PageV01P008 كالموظف الذي منح إجازته السنوية شهرا كاملا، إذا قضى فيها عشرة أيام يكون قد خسر منها عشرة أيام فصار الشهر عشرين، فإذا مر عشرون صار الشهر عشرا، فإذا تم الشهر انقضت الإجازة فكأنها لم تكن.
أتظنون أني «أتفلسف»؟ لا والله، بل أصف الواقع. نحن كلما ازداد عمر الواحد منا سنة في العد نقصت من عمره سنة في الحقيقة، حتى ينفد العمر ويأتي الأجل، ونستقبل حياة أخرى تبدأ بالموت.