والله الذي خلق هذه المخلوقات التي يعجز العقل عن تصور PageV01P131 مدى كبرها خلق أخرى يعجز عن تخيل مدى صغرها؛ ففي الذرة التي لا تراها العين شبه هذه الفضاء، فيها قريب مما فيه من الأجرام الدقيقة التي تمشي على نظام قدره رب العالمين، يدور بعضها من حول بعض، تتقارب وتتباعد وتختلف وتأتلف على قانون محكم وضعه رب العالمين. وفي الخلية الحية وما كشفوه فيها من المورثات التي تنقل بعض الطبائع والسمات من الآباء إلى الأبناء آية أخرى.
وفي كل شيء له آية، ولكن الناس في غفلة عن ذكر الله: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه}، {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله}.
* * * PageV01P132
رأي للبحث والمناقشة
من هو العربي؟
نشرت سنة 1979
من العربي؟ هذا هو موضوع المقال.
وربما عجب ناس من هذا السؤال ورأوا الأمر أوضح من أن يستوضح عنه وأهون من أن نشتغل بالكلام فيه. وأنا أسأل هؤلاء الإخوان: هل العربية بالنسب أم باللسان؟
إذا كانت بالنسب فماذا نكون نحن، وما لأكثرنا نسب في العرب؟ وما دام الناس لآدم، وآدم واحد جاء منه كثير وصار من أبنائه الشعوب والقبائل، وما دام لكل قبيلة وشعب أول (أي أب) تنتمي إليه وتبدأ منه، فمن هو أبو العرب الذي كان منه أولهم وإليه انتماؤهم، فمن نسله هذا الأب كان عربيا، ومن سبقه أو جاء من غيره لم يكن من العرب؟
وإذا كانت باللسان وكان اللسان هو الميزان، فهل كان لسان الأقدمين من سكان اليمن ولسان عاد وثمود وطسم وجديس، لسانا عربيا؟ وهل صحيح ما يقولونه من أن العرب عاربة ومستعربة، وأن المستعربة هم أبناء إسماعيل ومنهم بنو هاشم رهط محمد صلى الله عليه وسلم؟ PageV01P133
الذي أراه أنا أن اللسان العربي الذي نتعارفه اليوم، ونرجع إلى المعاجم في تحقيق مفرداته، وإلى الصرف في اشتقاق كلماته، وإلى النحو في ضبط حركاته، ما جمعت شوارده ولا قعدت قواعده إلا اعتمادا على ما جاء في القرآن وعلى ما أثر عن العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، من أشعار وأقوال يرجع العلماء إليها ويستشهدون بها، فما نطقوا به فهو الصحيح المقبول، وما خالفه فهو اللحن المرذول؛ المدار في ذلك كله على «السماع» منهم والموافقة لهم، لا دخل فيه للعقل ولا للمنطق.
فلننظر إلى لسان (¬1) حمير ومن كان قبلهم من سكان اليمن، وإلى ما وصل إلينا من بقايا ألسن عاد وثمود والعمالقة، وما جاء في قانون حمورابي: هل هو موافق للسان العرب الذي نزل به القرآن ونظمت فيه المعلقات؟
الجواب: لا. وهذا شيء اتفقت عليه كلمة علمائنا الأولين وكشوف المحدثين من الأثريين؛ فلقد روي عن شيخ الرواة وإمام أهل العربية أبي عمرو بن العلاء أنه قال: «ما عربية حمير بعربيتنا ولا لسانهم بلساننا». وذكروا أنه لما قدم وفد عرب الشمال على سيف بن ذي يزن يهنئونه باسترجاع اليمن قال لأحدهم: ثب. وكان الملك على ظهر غمدان، فوثب الرجل من سطح القصر فما وصل الأرض إلا وقد تقطع. فعجب الملك وقال: ما له؟ قالوا: PageV01P134
أنت قلت له «ثب». قال: «من دخل ظفار حمر». أي تعلم لسان حمير. وزعموا أن «ثب» في لسانهم بمعنى «اقعد»، وأنا أسرد القصة من حفظي، وليس تحت يدي وأنا أكتب هذا المقال شيء من المراجع لأرجع إليه.