فكر ومباحث
تأليف
علي الطنطاوي
نشر وتوزيع
مكتبة المنارة
مكة المكرمة -العزيزية- مدخل جامعة أم القرى
هاتف 5566375 ص ب 2653 PageV01P001 بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين* إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم * غير المغضوب عليهم * ولا الضالين .. آمين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد * كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم * وبارك على محمد وعلى آل محمد * كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين * إنك حميد مجيد.
اللهم علمنا ما ينفعنا * وانفعنا بما علمتنا * وزدنا علما. PageV01P002
جميع الحقوق محفوظة
يمنع النقل والترجمة والاقتباس للإذاعة والمسرح
إلا بإذن خطي من المؤلف
الطبعة الثانية
1408 ه - 1988م PageV01P004
لغتكم يا أيها العرب
أذيعت سنة 1957
كنت أقلب أمس أوراقا لي قديمة وأنا قاعد أفكر في موضوع أتحدث فيه اليوم إليكم فوجدت عددا قديما مصفرا من جريدة (فتى العرب) من يوم كنت أعمل فيها مع الأستاذ معروف، رحمه الله، من قبل سبع وعشرين سنة، فيه مقالة لي من سلسلة (أحاديث ومشاهدات) التي كنت أنشرها في تلك الأيام، ففرحت به وعدت إليه أقرؤه، لأني فقدت مع الأسف أكثر ما كتبته وضاع مني، وكانت المقالة موجهة إلى مجلس المعارف الكبير وقد استهلت بخلاصة قصة (الدرس الأخير) ل (الفونس دوده). يقص فيها على لسان صبي من الألزاس، كيف هرب من المدرسة، وأخذ طريق الحقول، ليقطع النهار في اللهو واللعب، ثم بدا له، فعدل عن هذا وذهب إلى المدرسة، فإذا هو يرى الناس يسرعون السير في الشوارع، مصفرة ألوانهم، تبدو عليهم أمارات الذعر والألم، وإذا هو يرى الأستاذ يذهب ويجيء في باحة المدرسة، قلقا مضطربا، وقد قعد بعض أهل القرية على مقاعد الصغار، واجمين شاخصين، فانسل إلى مكانه متحيرا لا يدري ما الخبر، وإذا بالأستاذ يعلو المنبر ويقول بصوت مرتجف ورنة حزينة كأنها رنة بكاء مكتوم:
أولادي. هذه آخر ساعة أراكم فيها، ثم نفترق إلى غير تلاق، لأن بلادكم قد احتلها الألمان (وكان ذلك في حرب السبعين) وصارت دروسكم باللغة الألمانية فلا فرنسية بعد اليوم.
وخنقته العبرات فما استطاع أن يتم كلامه، فعاد يقول:
والآن: أصغوا لي لألقي عليكم (الدرس الأخير) باللغة الفرنسية وقم أنت يا فلان. PageV01P007
قال الصبي: فما سمعت اسمي حتى ارتجفت ووقفت ساكتا، ولم أكن قد حفظت درسي، فقال لي الأستاذ:
اقعد، أنا لا أعنفك ولا أعاقبك، ولكن اعلموا، اعلموا يا أولادي أنكم أضعتم بلادكم وسلمتموها إلى عدوكم بإهمالكم لغتكم (¬1).
...
وتركت الجريدة القديمة، ووقفت عند هذه الجملة، وقفت لأذكر ما تبذل أمم الأرض في العناية بلغاتها وما نصنع نحن العرب بلغتنا، وقفت لأذكر كم أسمع كل يوم من العبث باللغة والنحو والصرف، ورفع المنصوب، ونصب المرفوع، لا من التلاميذ الصغار وحدهم، ولا من الناشئة التي قد تعذر إن لحنت على لحنها. بل من السياسيين والمحامين والمدرسين، في البرلمان وفي المحكمة وفي المدرسة، بل إني لأسمع اللحن من أفواه الأدباء وأقرؤه في كتبهم، المجلات مملوءة باللحن، والقصص المطبوعة مملوءة باللحن، والكتب الجديدة مملوءة باللحن، وفي كل مكان لحن ظاهر، يتأدب به الصغير، وينشأ عليه الناشئ. وممن سماهم الناس أدباء وشعراء من لا ستطيع أن يكتب صفحة واحدة صحيحة، ولا يقدر أن يقيم لسانه في صفحة واحدة. لقد فشا اللحن، وانتشر الجهل، وعم الضعف، وفقدت العربية المدافع والمحامي.