ماذا خسر العالم
بانحطاط المسلمين؟
أبو الحسن علي الحسني الندوي
ومقدمة بقلم الشهيد
سيد قطب
----NO PAGE NO------
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
بقلم الباحث الإسلامي الأستاذ سيد قطب
ما أحوج المسلمين اليوم إلى من يرد عليهم إيمانهم بأنفسهم وثقتهم بماضيهم ورجاءهم في مستقبلهم.. وما أحوجهم لمن يرد عليهم إيمانهم بهذا الدين الذي يحملون اسمه ويجهلون كنهه، ويأخذونه بالوراثة أكثر مما يتخذونه بالمعرفة.
وهذا الكتاب الذي بين يدي: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" لمؤلفه (السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي) من خير ما قرأت في هذا الاتجاه، في القديم والحديث سواء.
إن الإسلام عقيدة استعلاء، من أخص خصائصها أنها تبعث في روح المؤمن بها إحساس العزة من غير كبر، وروح الثقة في غير اعتزاز، وشعور الاطمئنان في غير تواكل. وأنها تشعر المسلمين بالتبعة الإنسانية الملقاة على كواهلهم، تبعة الوصاية على هذه البشرية في مشارق الأرض ومغاربها، وتبعة القيادة في هذه الأرض للقطعان الضالة، وهدايتها إلى الدين القيم، والطريق السوي، وإخراجها من الظلمات إلى النور بما آتاهم الله من نور الهدى والفرقان:
{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} ... {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} .
وهذا الكتاب الذي بين يدي يثير في نفس قارئه هذه المعاني كلها، وينفث في روعه تلك الخصائص جميعها، ولكنه لا يعتمد في هذا على مجرد الاستثارة الوجدانية أو العصبية الدينية، بل يتخذ الموضوعية أداته، فيعرضها على النظر والحس العقل والوجدان جميعا، ويعرض الوقائع التاريخية والملابسات الحاضرة عرضا عادلا مستنيرا، ويتحاكم في القضية التي يعرضها كاملة إلى الحق والواقع والمنطق والضمير، فتبدو كلها متساندة في صفة وفي صف قضيته، بلا تمحل ولا اعتساف في مقدمة أو نتيجة. وتلك مزية الكتاب الأولى.
إنه يبدأ فيرسم صورة صغيرة سريعة- ولكنها واضحة- لهذا العالم قبل أن PageV01P010 # تشرق عليه أنوار الإسلام الأولى. رسم الصورة لهذا العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، من الهند والصين إلى فارس والروم، صورة المجتمع وصورة الضمير في هذه الدنيا العريضة، في الجماعات التي تظلها الديانات السماوية، كاليهودية والمسيحية، والتي تظلها الديانات الوثنية، كالهندوكية والبوذية والزرادشتية.. وما إليها..
إنها صورة جامعة تعرض رقعة العالم وتصفها وصفا بينا، لا يعتسف المؤلف فيه، ولا يستبد به، إنما يشرك معه الباحثين والمؤرخين من القدامى والمحدثين، ممن يدينون بغير الإسلام، فلا شبهة في أن يكونوا مغرضين له، وللدور الذي أداه في ذلك العالم القديم.
إنه يصف العالم تسيطر عليه روح الجاهلية، ويتعفن ضميره، وتأسن روحه، وتختل فيه القيم والمقاييس، ويسوده الظلم والعبودية، وتجتاحه موجة من الترف الفاجر والحرمان التاعس، وتغشاه غاشية من الكفر والضلال والظلام، على الرغم من الديانات السماوية، التي كانت فد أدركها التحريف، وسرى فيها الضعف، وفقدت سيطرتها على النفوس، واستحالت جامدة، لا حياة فها ولا روح، وبخاصة المسيحية.
... فإذا فرغ المؤلف من رسم صورة العالم بجاهليته هذه، بدأ يعرض دور الإسلام في حياة البشرية. دوره في تخليص روح البشر من الوهم والخرافة، ومن العبودية والرق، ومن الفساد والتعفن، ومن القذارة والانحلال، ودوره في تخليص المجتمع الإنساني من الظلم والطغيان، ومن التفكك والانهيار، ومن فوارق الطبقات واستبداد الحكام واستذلال الكهان، ودوره في بناء العالم على أسس من العفة والنظافة والإيجابية والبناء، والحرية والتجدد، ومن المعرفة واليقين، والثقة والإيمان. والعدالة والكرامة، ومن العمل الدائب لتنمية الحياة وترقية الحياة، وإعطاء كل ذي حق حقه في الحياة.