محمد الغزالى PageV01P011
الإسلام والإيمان والإحسان
حديث جامع : من حديث لعمر رضى الله عنه قال: بينما نحن جلوس
عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرنى عن الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال صدقت. قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرنى عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت. قال: فأخبرنى عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ...". الإسلام، الإيمان، الإحسان، كلمات ثلاث وردت فى الحديث معرفة بما يشرح دلالتها، وهى فى نظرنا لتعد عناوين شتى لحقيقة واحدة. والحقيقة الواحدة قد تنظر إليها من عدة جهات فيعنيك من كل جهة وصف خاص بارز، مع أن هذه الأوصاف كلها متضافرة فى تحديد الحقيقة وتوضيح معالمها. ولذلك ختم الحديث بتلك العبارة: " هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ". والدين الذى نزل أمين الوحى لتوضيحه هو الإسلام إن نظرنا إلى السلوك الظاهر، والعمل البين. وهو الإيمان إن نظرنا إلى اليقين الباعث والعقيدة الدافعة. وهو الإحسان إن نظرنا إلى كمال الأداء والوفاء على الغاية عند اقتران الإيمان الواضح بالعمل الصالح... بل هو جملة هذه المعانى، لا ينفصل أحدها عن الآخر عند التصور الكامل، 022 PageV01P012 كالشجرة الحية. قد تنظر إلى جذعها الذى يحمل الغذاء للغصون الدانية والذوائب العالية. وقد تنظر إلى الأثمار المطعومة والأوراق المظللة. وقد تنظر إلى ينع الشجرة وحفولها وازدهارها. بيد أن هذه الأنظار المختلفة لا تغير من وحدة الشجرة، واكتمال صورتها فى الذهن وفى الخارج. من الجذع القائم، والأغصان الممتدة، والرواء الشائع فى الأزهار والجنى... وربما انكمشت العناصر التى تتكون منها حقيقة الدين، ووهت الروابط التى تشد بعضها إلى البعض الآخر، فيكون الإسلام عملا خافتا لا تلمح وراءه قوة الإيمان، أو يكون الإيمان باعثا مريضا لا يدفع الأهواء ولا يوقظ الضمائر، أو يكون الإحسان زعما لا يبصر الحق ولا يحس هيمنته. نعم، قد يقع هذا فى حياة الناس كما ترى أحيانا شجرة معطوبة الثمر، ذابلة الورق، لا جذعها يحمل الخصب والثمار، ولا أفنانها تحمل القطوف والخير ولا منظرها يوحى بالبهجة والرضا. ولكن هذه الأحوال المعتلة ليست الفطرة العامة والطبيعة السائدة. والحديث الذى بين أيدينا يشرح الحقيقة الصحيحة للدين. والإيمان إذا صح لابد أن ينتج العمل. والعمل إذا صح لابد أن يرتكز على الإيمان. والإحسان إذا صح لا ينشأ إلا من إيمان راسخ وعمل كامل. ويمكنك أن تقول: إن الدين الذى جاء جبريل يعلمه هو الإسلام. والإسلام لا يصح إلا بالروح الكامنة فيه، والوقود المحرك له أى الإيمان الحق. فإذا استبطن هذا اليقين الدافع فأمامه مثله الأعلى فى إحكام الصلة بالله، والشعور برقابته الدائمة وشهوده الجليل، وهو مقام الإحسان. وقد شرحنا الحديث بهذا الأسلوب لأن بعض الناس وهم أن كلمات